الولادة الأولى التي هي الجسمانية متقدمة بالطبع في ماهية الإنسانية ، والروحانية متأخرة عنها في ذاته ، وأن النوع الإنساني محمول على الولادة الجسمانية بالنظر إلى ترتيب العالم من حيث الجزئيات ، فإنه ما يكون عاقلا إلا بعد ما يكون حيّا ، ولا يكون إنسانا إلا بعد كونه حيوانا ، وإن النفس الناطقة محمولة على النفس الحيوانية ، وإن الولادة الأولى قد صحت لها وفرغ منها ، وإن الجنة لا تنال إلا بإدراك الروحاني ، ولا توجد إلا في عالمه ، وإن السعادة والكمال والدوام لا تكون إلا في معرفة اللّه والقرب منه ، وإنه لا يعرف إلا بالجوهر الروحاني المفارق للمادة .
فنبههم بعد وجود الولادة الأولى على الولادة الثانية ، وحضهم على الانفصال من الأولى ، وأعلمهم أن الجنة في الولادة الثانية ، وأن الكمال هناك ، فكان ذكره للولادتين تنبيها على الثانية التي بها سعادتهم ، وذكر الأولى لكونها موجودة عندهم ، ولا يعرفون إلا إياها ، وعرّفهم إنهم إن وقفوا معها لا يدخلون الجنة التي هي في الولادة الثانية ، ونبههم على صفاتهم الأولى ومبدئهم الأول ، فاعلم ذلك ، ولا تتوهم إن لفظه يقتضي تخصيص الاثنتين ، وإنما أراد به تخصيص الثانية الغابة عندهم ، فاعلم ذلك .
وقد تؤخذ من الأسماء المشتركة ، وتطلق الولادة بتشكيك وتصرفها باستعارة الألفاظ إلى الولادة الواحدة الروحانية التي فيها سعادة الإنسان ، وكماله وفي أبوته من حيث الإفادة ، وتجعل الولادتين من أجزاء ماهية النسبة الواحدة ، والعالم الواحد المفارق ، وتجعل الولادة من حيث تولد الشيء عن الشيء من جهة السبب والمسبب ؛ لأن الإنسان في التوجه إلى الكمال يحتاج إلى عمل جسماني وبحث روحاني ، وهو سبب الاثنين ، وهما متولدان عنه وصادران منه وإليه يكون الوصول بهما ؛ فكانت معرفته بذاته ووصوله إليها نتيجة عن المقدمتين اللتين هما العلم والعمل ؛ فمن حيث هو نتيجة سمّي مولودا ، إذ المولود نتيجة الأبوين في الظاهر ، وهما سببان له ومقدمتان .
فلما كان تجريد الإنسان وإدراك حقيقته نتيجة عن العلم والعمل ، كان العلم والعمل شبه الأبوين ، وكان هو شبه الابن الذي هو نتيجة عن المقدمتين ، وفي معرفته لذاته وإدراكه لها كانت جنته وكماله ، فقال : ( لن يدخل الجنة من لم يولد الولادتين ) .
معناه : من لم تظهر ماهيته وتحصل له حقيقته بالسببين : العلم والعمل ، إذ هما شرط في خروج الإنسانية من القوة إلى الفعل ، وخروجها من القوة إلى الفعل هو الجنة ، وهو الكمال ، وقد يكون أراد به إدراك حقيقة المبدع الأول ، والتجوهر به والاستيلاء على خاصيتي الإفادة والاستفادة ، وتكون الولادتان في ماهيته الواحدة ماهيته ، فإن المولود هو
رسائل ابن سبعين — صفحة 192
مساهمون: ابن سبعين
ص١٩٢