تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
فمن حيث شهواته الحيوانية يطلب الدنيا ويحب الملائمات المحسوسات ، ومن حيث نفسه الناطقة وعقله يطلب الآخرة ويميل إلى الخيرات الدائمة ، وهو قابل للتدبير وذو أدوات تكفيه في نيل ما يريده ويختاره من الأمور ، وعاجز عن إخراج ما في قوته إلى الفعل ، ومفتقر إلى العلم والمعين على تحصيل مطالبه . فلا بد له من المرشد الذي يهديه إلى نيل الخير ، ويعلمه كيف يحصله ، وبماذا يحصنه فخير الدنيا لا بد له من معلم يعلمه الصنائع والأسباب التي تحصل بها الدنيا ، ويدربه ويعينه ويدبره حتى يشتغل بذاته في كسب دنياه ، وتحصيل شهواته العاجلة ، وكذلك يحتاج في تحصيل الآخرة إلى المعلم والمرشد ، والمفيد الذي يدبره ويهذبه ، ويبين له الطريق الجادة المحصلة لرضوان اللّه وإلى جنته وإلى معرفته حتى يكمله في ذلك ويوصله إلى حيث يستقل بذاته في عبوديته . فالإنسان إذن له مدبران : مدبر الدنيا ، ومدبر الآخرة ، وهو يحب الخير ويميل إليه من صفة نفسه ، ويحب الوسائط التي توصله إلى الخير ، وتعلمه طريقه ، وتعينه على تحصيله ؛ فهو يحب مدبر الدنيا ويحتاج إليه ، ويحب مدبر الآخرة ، وبحسب ما غلب عليه طلب إحداهما يغلب عليه حب وسيلة ذلك المطلب ، وإن كانتا متساويتين في خلده يستوي حب الوسيلتان بحسب ذلك ؛ فله إذن مدبران ، كل مدبر له منهما هو والد له ، ومدبر له ، وله عليه حق ، وله في قلبه محبة وفي نفسه مودة ؛ فصار والد الدنيا ومدبرها والد الجسماني منه ، ومدبر الآخرة والد الروحاني . ولمّا كانت الدنيا ذاهبة ومنقطعة وغير باقية ؛ كان خيرها بالعرض ، ولمّا كانت الآخرة دار البقاء والقرار والدوام الذي لا انقطاع له ؛ كان خيرها بالذات ، وهذه دار يرحل منها في أيسر وقت ويذهب نعيمها ، والآخرة يقام فيها ويثبت لها ، ولا يفقد نعيمها أو ضده . قال الشيخ رضي اللّه عنه : ( وحبيبك من يدير أمر آخرتك ) : معناه الذي تحتاج أن تتخذه حبيبك وتعتمد عليه وتتبعه : هو المدبر للآخرة ؛ ومدبر الدنيا لا تعتمد عليه ولا تتبعه ولا تلازمه بالجملة ، وإن أحببته فتحبه بالعرض ، كما أن خير الدنيا الذي كان هو سببها بالعرض ، وإن كان يحضك على ترك الآخرة ، أو يوقع عندك الفترة منها ، فلا تحبه بالجملة ؛ إذ هو عدوك بالمعنى ، فإن أحسنت له وتبره ؛ فيكون ذلك في الظاهر مكافأة لتربيته الأولى ومراعاة لصحبته ، وفي الباطن لا تحبه ولا تأخذ عنه ، وتصاحبه بالمعروف الجاري بين أبناء الدنيا ، وتنفصل عنه باعتقادك ومذهبك وعلمك . كما قال تعالى :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما