تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ
[ لقمان : 15 ] ؛ فاللّه سبحانه قد أمرك بمخالفة الأب الجسماني الذي لا يحض على الآخرة ، وأمرك باتباع الشيخ الذي يدبر الآخرة ويحض على اللّه وعلى معرفته ، فاعلم ذلك ، ولا يخدعك وهم الظاهر ، وتحمل الآيات على غير مقاصدها ، وتسمع ما جاء في الوالدين من النصوص ، وتعتقد أنها تحض على طاعتهما من كل الجهات ، وإن مخالفتها لا يجوز بالجملة ، ويحملك ذلك إلى ترك السعادة ، والتفريق في جانب اللّه ؛ فتهلك وتقول على اللّه ما لا تعلم . وإنما أراد بذلك مبرتهما والإحسان لهما في حق التربية والصحبة ، فإذا عارضهما القصد الإلهي وطريق الآخرة والسعادة وأداء حق اللّه تعالى ؛ تغلبه عليهما من كل الجهات ولا تنظر إليهما فيه ، وافهم قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ
[ التوبة : 24 ] الآية ، وقوله في حق إبراهيم عليه السّلام :
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
[ التوبة : 114 ] ، وقوله تعالى لنوح عليه السّلام :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
[ هود : 465 ] . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يكمل أحد حقيقة الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهله وماله » « 1 » الحديث ، وقوله : « سلمان من أهل البيت » « 2 » . وهذه الأهلية ليس هي من النسب الحسي ، وإنما هي من القصد الإلهي والدين والأبوة الروحانية ، فإن كان كذلك ؛ فصح إن المعلم المعين في الدار الآخرة والمدبر لها هو الذي ينبغي أن يحب ويلازم ويتخذ رأيه وفعله له يجعل قدوة ، وهو قول سيدنا رضي اللّه عنه في بعض « الألواح » : ما عظم الحكماء مشايخهم وفضولهم على الآباء إلا لكونهم كانوا سبب الحياة الباقية ، والآباء سبب الفانية . إلا إن كان الأب من كل الجهات ، وهو الذي أراد بقوله هنا : ( وحبيبك من يدبر أمر آخرتك ) ؛ تقديره إن كنت عاقلا وسعيدا فلا تحب إلا من يدبر آخرتك ؛ لكونك تحتمل القبول لمحبة الدنيا ومحبة الآخرة ، وفي ماهيتك ذلك ، إذ أنت مجموع من الروحاني والجسماني ، وكل قسم منك يطلب نوعه ؛ فأمرك أن تضرب عن النوع العرضي ، وتهمل وسائطه ، وتخصص الذاتي وتحب وسائطه ووسائله ، وقد نقل عن المسيح عليه السّلام إنه قال : ( لن يلج الجنة من لم يولد الولادتين ) يعني : الروحانية والجسمانية . ولا تظنن أن الإشارة هنا بذكر الولادتين لما يخصص الدنيا والآخرة ، وإنما علم أن
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 14 ) ، ومسلم ( 1 / 67 ) . ( 2 ) رواه الطبري في تفسيره ( 21 / 133 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3 / 691 ) .
رسائل ابن سبعين — صفحة 191 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي