فالعالم يطلب الوارث ، والوارث هو المحقق ، فالعالم يطلبون المحقق ويحتاجون إليه بالضرورة .
ثم نقول : اللّه يعطى خيره وإحسانه للوجود الممكن كله ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو الواسطة الذي يوصل خير اللّه وإحسانه ، والوارث هو الواسطة الذي يأخذ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويفيض على العالم ، فالوارث هو الفياض على العالم بالجملة ، والعالم يقبل الخير ويناله ، وكل ماهية يصلها منه بقدر نصيبها ، وما جعل فيها من المقبول فما من ماهية تقبل خيرا إلا والوارث هو معطيه لها بالذات ، والوراث هو المحقق ، والمحقق : هو المدبر للعالم بالذات ، فمن كفر به فقد جحد نعمته ، ومن جحد النعمة شقي أو منكر لأصله .
وهذا هو المفهوم من قوله رضي اللّه عنه : ( أنا هو الوجود في كل مكان أنا ) .
وقوله لابن غيلان : ( واللّه ما نجري منكم إلا مجرى الدم ) ، وقوله في « الفتح المشترك » : ( والمقرب هو عين الخير وكل الكون ومالك كل لون ) ؛ وإخراج الأدلة من كلامه على هذه المرتبة ونصوصه التي نعلمها ونخرجها من كتبه يطول علينا ذكرها ، ولا يسمها هذا التقييد ، وهذا فيه الكفاية فاقتنع به .
فلمّا رأى تلك الأوصاف يحتاج إلى معرفتها العاقل ، ولا تنال إلا من الرجل الجليل الحامل لها أحالك على الحامل لها ، ولا يحملها على كمالها إلا هو فأحال العالم على ذاته وهو الحق ، وهو مفهوم من قوله في ( التوجه ) : « لو أنصفت لسعد العصر وأهله ، ومهد ووعر العلم وسهله » ويفهم من هذا الكلام أن من لا ينصفه يشقى .
ولمّا علم أن العقول العادية لا تفهم منه القبول في غير زمان ، ولا تعرف اتصاله بالذوات ، ولا تقدر على الاستفادة منه في عالم الذوات المجردة ، ولا تدري إلا المشافهة والتعليم باللسان ، وذلك لا يكون إلا بمباشرة مظهره الجسماني ، ومظهره الجسماني لا يمكن أن يعم أفق العالم ومساحته ، ولا يمكن العالم باتساع مقداره أن يجتمع كله عند مظهره الجسماني ، فخلص مظاهر كثيرة ، وبددها في الكون ، وأحال عليها .
فقال : إن استطعت الاتصال إليّ ، ومباشرة مظهري فهو الأولى ، وإلا عليك بالأمثل فالأمثل ، يعنى : القريب إليّ بهذه الكمالات ، والعارف بها والذي عنده منها نسبة فهو مني ويقرب إليّ ، وكذلك تتنزل من القريب إلى القريب أيضا إذا لم تجد المظهر القريب ؛ فكلها مظاهره ، إلا أنه يظهر فيها بحسب أنصبتها ، ومثال أولاده معه مثل ما ضرب لنا من مثاله مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فإنك تجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو الرتبة الأولى اللازمة للحق تعالى ، والمحقق الوارث هو اللازم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكذلك الوارث المحقق هو لازمه والعارف به ، وكذلك وارث
رسائل ابن سبعين — صفحة 187
مساهمون: ابن سبعين
ص١٨٧