وكذلك القول في التخلّق بالأسماء ، فإن المتخلق بالأسماء تارك حقوقه كما بيّنا ، وترك الحقوق خروج عن حظوظ النفس ، والخروج عن حظوظ النفس هو الظفر بالحقيقة ، والظفر بالحقيقة هو السعادة الأبدية ، وأيضا الحجاب عن اللّه هو النفس ، والنفس هي الأخلاق المذمومة عند الصوفية ، والتخلق الأسماء يزيل الأخلاق المذمومة ، فالتخلّق بالأسماء يزيل الحجاب ، وزوال الحجاب يكشف الحقيقة ، فالتخلّق بالأسماء يكشف الحقيقة ، فقد تبيّن أن إصلاح الأعمال هو التجوهر بأسماء اللّه .
وإطراح المال هو الخروج عن النفس ، وهذا هو المفهوم من قولهم : اترك نفسك وتعال ، وهو الفناء الذي تشير إليه الصوفية ، والبقاء بعد الفناء هو ثبوت الحقيقة بعد رفع المجاز ، وظهور الوحدة الأزلية بعد رفع الغيرية ، وخرج من ذاك أن اللّه هو وجود كل شيء ، وهو الوجود وحده ، والغيرية وهم أثمره الحجاب ، والحجاب خير الضمير عن صور الشهوات وسكونها إليه ، ولا حقيقة له من خارج الذهن ، فاعلم ذلك .
قوله رضي اللّه عنه : « ولا تخالط إلا من قامت به الأوصاف المذكورة قبل إن استطعت ، وإلا الأمثل فالأمثل »
. الخلطة هي المعاشرة والممازجة ، والأوصاف المذكورة قبل هي ما ذكره من أول العهد إلى هنا من الكمالات وأسبابها ، والتجوهر بمدلول الإمكانات الأهلية ، ومعرفة العلوم الضرورية والأعمال ، وفهم علوم الحكماء ، وتحصيل الحقيقة الجامعة ، والدخول تحت أحكام الشرع بالجملة ، وما أشبه ذلك مما قد فرغ من تفسيره ، فهو يقول : لا تخالط من الرجال إلا من قامت به الكمالات كلها ، وعرف أسبابها ، وتجوهر بمدلول الإمكانات الإلهية ، وتصرف بما يجب ، واتصف بالحكمة التي تفيد الصورة المتممة والمقومة ، ودخل تحت أحكام النبي عليه السّلام من كل الجهات ، بمعنى ظهرت السّنة المحمدية عليه علما وحالا وذوقا وفعلا ووجودا ، ويكون وارثا على الحقيقة ، وعرف العلوم الضرورية ، والأعمال الواجبة ، وعلوم الفلسفة كلها ، وحصل الحقيقة الجامعة لكل شيء ، وعلم التحقيق الذي لا ينال بالكسب والاجتهاد ، ولا يشذ عنه شيء ، ولا يفقد منه ما هو موجود في غيره ، وبالجملة كل شيء موجود ومعلوم يوجد عنده حاضرا بالقوة والفعل ، وهذا لا يكون في العالم إلا فيه رضي اللّه عنه ، وهو الذي قامت به هذه الأوصاف ، فكأنه أحالك على نفسه ، وأحال العالم على ذاته ، ونبههم عليه .
ولما كان مطلوب العالم هو الخير المحض ، والسعادة الثابتة ، والخير المحض هو اللّه ، ولا يوجد في غيره ، وإن وجد فهو له ومنه ، أو هو في المظاهر مجازا ، وفيه حقيقة . وهو فيه