والمقدمة الأولى التي قلنا أنها الزهد في الشهوات ، والشهوات من خصوص النفس وملكتها ، فالزاهد فيها قد أطرح للّه ما له ، ومن ترك حقوق وزهد في شهواته ، فقد صلحت أعماله ، وأطرح للّه ماله ، ونيل الشهوات هو سبب الشقاوة ، فالزهد فيها هو سبب السعادة ، فالزاهد في شهواته سعيد .
فنقول : ترك الشهوات يؤدي إلى استقامة التوجه ، والتوجه هو الانصراف إلى اللّه بالصنائع العلمية والعملية ، والعلم والعمل الذي يوصل إلى اللّه حكمة ، وعمل صالح ، والعمل الصالح يفيد السعادة ، فالمتوجه مصلح أعماله ، والمصلح أعماله سعيد .
وأيضا التوجه يحمل إلى معرفة اللّه ، ومعرفة اللّه هي السعادة ، وكل عمل يحمل إلى السعادة عمل صالح ، فالتوجه عمل صالح ، فخرج من هذا أن المصلح أعماله هو المتوجه للّه ، والمطرح للّه ما له هو الذي أطرح الدنيا ، وزهد في شهواتها كلها ، وهو واحد من حيث أن من توجه للّه فقد اشتغل عن الدنيا ، ولها عنها ، فنفس التوجه هو بعينه ترك الدنيا .
والمصلح أعماله هو بذاته والمطرح للّه ما له . وهذا يشرحه قول سيدنا رضي اللّه عنه في « الوصية » التي أولها : « اعلم علّمك اللّه حكمته » حيث قال : « والإضراب عن الشيء الخسيس هو بعينه الإقبال على الأمر الرئيس » .
فقد تبيّن لك أن إصلاح الأعمال هو التوجه إلى اللّه ، وإطراح المال هو طرق الشهوات العاجلة ، ونفس التوجه الصادق يقتضي من صفة رد الشهوات ، ورفض الشهوات للتوجه للّه يفيد معرفة اللّه ، ومعرفة اللّه هي السعادة ، وهذا تفسير قوله :
« والسعيد هو المصلح أعماله ، المطرح للّه ماله » .
وأيضا الحق تعالى ليس بينه وبين الموجودات مرتبة زمانية ولا مكانية ، وأنه مع غيره بالإيجاد والتجديد ، ووجوده مقوم لوجود العبد على ما هو عليه ، فهو أقرب من العبد إلى ذاته ، والبعد إنما هو الحجاب الموجود في قلب العبد ، وحجاب القلب هو مجموع صور الشهوات العاجلة وسكونها فيه ، فرفض الشهوات زوال الحجاب ، وزوال الحجاب يكشف حقيقة وجود الحق في ماهية العبد ، ووجود اللّه عنده هو الكمال والسعادة والرفعة ، فرفض الشهوات هو بعينه نيل الحقيقة ، وهذا يفسره قول الرجل الذي قال لعيسى عليه السّلام حين قال له : اعبد ربك وهو راقد ، قال له : عبدته بأكبر العبادة ، قال له : وما هي ؟ قال : تركت الدنيا لأهلها ، قال له : إذا فنم ، ويفسره قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
[ النازعات : 40 ] الآية .
فاقطع حظوظك ، وصل عهدك ، تجد شاهدك هو بعينه مشهودك ، فافهم ذلك ،