والنهي إما عائد على الملل الذي يرفع الود ، لا على الود ؛ إذ الود محمود شرعا وعقلا ، وهو حامل كل قاصد إلى مقصوده ؛ إذ القاصد لولا وده في مقصوده ما تحرك إليه ، ولو لم يتحرك إليه لم يصل ، الود أصل في تحصيل كل مطلوب ، والملل قاطع لكل مطلوب ، وآفة كل قاصد وراغب ، فهو قبيح بالجملة ، وأصل كل آفة وعلة .
فنقول : الود هو حركة الضمير إلى المحبوب المراد ، والانصراف إليه ، واستصحاب الود يثبت قدم التوجه ، وثبوت التوجه يوصل إلى المطلوب المحبوب ، والمحبوب هو اللّه ، وهو الخير المحض ، والوصول إلى الخير المحض هو السعادة ، واللذة والملل يمنع ذلك كله ، فالملل أقبح ما يكون في الملل ؛ لأن الملل زوال الود ، وزوال الود يعطل التوجه ، وتعطيل التوجه يوجب عدم الوصول إلى اللّه تعالى ، وعدم الوصول إلى اللّه هو الشقاوة ، فالملل يوجب الشقاوة ، والشقاوة مكروهة وقبيحة في كل الملل ، فالملل قبيح في كل الملل .
وذلك أن الملل هي القوانين الموضوعة على ألسنة الرسل ، وهي الشرائع الحاملة إلى اللّه ، والسعادة هي طرق يسلك عليها المتوجهين ، وأصل السلوك عليها هي المحبة للّه ، والوسائل الحاملة إليه ، والملل يزيل المحبة ، والمحبة أصل السلوك ، فالملل يمنع بطبعه السلوك ، وعدم السلوك يوجب الشقاوة ، ويمنع تبعية الرسل ، ويصد عن اللّه ، ويؤدي إلى سخط اللّه ، وهذا أقبح ما يكون في كل الملل .
فنقول : الملل كلها تطلب اللّه وتحمل إليه ، والملل يقطع عن اللّه ، فالملل قبيح في كل الملل ؛ إذ الانقطاع عن اللّه يضاد ما جاءت به الملل ؛ إذ الملل تحمل إلى الخير المحض ، والخير المحض حسن ، والملل يقطع عن الخير ، والانقطاع عن الخير إقامة في الشر ، والشر قبيح في كل الملل ، فالملل قبيح في كل الملل ، فاعلم ذلك .
وأيضا الود هو الميل إلى مشار ما ، وترجيحه على غيره ، والأنس به ومحبته ، والملل هو منافرة ذلك المشار ، والانصراف عنه ، وتركه ومحبته هي الأولى ، ولم تكن إلا لأجل توهم الخير فيه ، أعني ذلك المشار إليه ؛ إذ المحبة لا تتعلّق إلا بالخير ، وملله والرجوع عنه لم يقع إلا لعدم تعين الخير في ذلك المشار ؛ إذ الخير لا ينصرف عنه من ذاته ، فدلّ على أن الخير
هامش
- إذا أحب الحق شيئا ناله وأناله ، وأما غيره فقد يحب ولا ينال ، وإن نال أمرا مما يحب فلا يقدر أن ينل غيره ما لديه ؛ لأنه قد لا ينقل ولا ينقال ؛ بخلاف الحق سبحانه فإنه على كل شيء قدير ، فافهم ، واللّه أعلم .