تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
لم يكن في ذلك المحبوب إلا بالعرض ؛ إذ لو كان بالذات لم يتبدّل ، والخير العرضي لا يكون إلا في الأجسام ، والأجسام هي التي يعود ودها مللا . فقوله : « وإياك من الود مع الملل » نهيّ عن محبة الأجسام ، والتعلق بها إذا هي متبدلة ومنقطعة . وأيضا : اللّه هو الفاعل لكل موجود ، والمقوم لماهية الأشياء على ما هي عليه ، ووجوده في كل ماهية بما هي ماهية ، وهو المحبوب الأعظم ، والخير المطلوب الذي لا يطلب معه خير ، ولا يوجد خير سوى خيره . فلا محبوب إذا إلا وهو المحض ، والمحبوب الأعظم عنده بل هو ، فلا محبة ؛ إذ المحبوب هو المحب بعينه ، والواحد لا يحب ذاته وهو هو ، فصحّ من هذا أن الود وهم قسم الوجود ، ورجح بعضه على بعض ، ورفض الحق الحاصل واتهمه ، وفرض الباطل ، وذل تحت ذله وصار عبده ، فلا ود إذا ولا ملل . فخرج من هذا أن الود خبر يشعر بالإضافة ، ويميل إلى مظهر لا وجود له خارج الذهن ، ولذلك وقع الملل ؛ لكون متعلق الود ليس له وجود ، فالود والملل خبران متوهمان في الضمير ، يستران التحقيق ، ويعلان التصديق ، ولذلك نهى عنها ، والملل نكث تقرر وهم الحاصل ، وتدفع وهم الباطل ، فاعلم ذلك .

قوله رضي اللّه عنه : ( والسعيد هو المصلح أعماله ، المطرح للّه تعالى ماله ) .

السعيد : هو الظافر بالخير المحض ، والخير المحض هو اللّه ، فالسعيد هو الظافر باللّه ، والظفر باللّه يكون بأمرين : أحدهما بالمعرفة به ، والآخر الشبه ، والمعرفة به هي رفع النكرة . وقد نقول : زوال الجهل . والشبه هو التخلق بأسمائه ، وزوال التوجه يكون بالتوجه والبحث ، وملازمة المرشد ، والنظر في العلوم النافعة الموصلة ، وهذا يحتاج إلى الاشتغال والملازمة ، والتوجه في الأزمان كلها ، ويؤدي هذا إلى ترك البطالة ، ورفض الكسب الغرضي ، والزهد في الشهوات العاجلة بجملتها ، فترك الدنيا مقدمة صادقة في التوجه إلى معرفة اللّه ، والتشبه باللّه هو التخلق بأسمائه كلما تقدّم ، وهو الاتصاف بالرحمة والعفو والمغفرة والكرم والوهبة والجود والإحسان وما أشبه ذلك ، والكريم هو الذي يعطي بالمسألة ، ويعطي البعض ، والوهاب هو الذي يعطي من غير مسألة ويعطي الأكثر ، والجواد هو الذي يعطى كل ما عنده بالمسألة وبغير المسألة ، والعفو هو الذي يعفو عن الزلات صغائرها وكبائرها ، وهذا يؤدي المتخلق بهذه الأسماء إلى ترك حقوقه بالجملة ، والإحسان المطلق ، وهذه المقدمة صادقة أيضا في التخلق بالأسماء ، والتارك لحقوقه قد أطرح للّه ماله .