تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
هامش
- الإنسان ما يستوجب المحبة صفة كان أو فعلا أو حالات أو أمرا مشتملا على جميع ما ذكرت أو بعضه ؛ وارتفع حجاب القرب المفرط وغيره من البين ؛ ظهر سلطان الحب طالبا رفع أحكام الكثرة والمغايرة بتغليب حكم ما به الاتحاد على حكم ما به الامتياز ، فأحب نفسه فيما يغايره من وجه وباعتبار مقتض للتمييز المذكور بالصفة الذاتية التي فيه الطالبة كمال الجلاء والاستجلاء ، فإن هذه الصفة هي المستدعية إيجاد العالم . والمقصود من الإيجاد ليس غير ما ذكرنا ، وكل ما ذكر في ذلك من موجبات الإيجاد فرع وتبع لكمال الجلاء والاستجلاء ، فافهم . فحكم هذه الصفة ؛ أعني كمال الجلاء والاستجلاء مشترك ، وسار في كل محبّ ؛ فيوجب له أن يحب ما ذكرنا ، وإن اختلفت الوجوه والاعتبارات ، وكذلك حكم حجابية القرب المفرط ، والإدماج الذي يتضمنه هو أمر مشترك بين المحب والمحبوب من كون كل واحد منهما من وجه محبّا ، ومحبوبا من آخر كما ذكرنا ، غير أن بينهما فيما ذكرنا فروقا متعددة ، منها : إن « المحبوب » مرآة ذات المحب من حيث ما يقتضي أن يحب ؛ فهو يستجلي فيها نفسه ، ويستجلي أيضا بعض محاسنها بالتبعية . و « المحب » مرآة كمال جمال المحبوب ، ومحل نفوذ أحكام سلطنته كما مرّ . وبهذا الحكم سار في كل محبّ ومحبوب دون استثناء ؛ وإن شان الحق سبحانه مع خلقه بهذه المثابة ، فنحن من حيث حقائقنا التي هي عبارة عن صور معلوميتنا الثابتة في علم الحق أزلا ، مراء لوجوده المطلق الذاتي ، وحضرته مرآة لأحوالنا المتكثرة وتعدداتنا ، فنحن لا ندرك إلا بعضنا بعضا ؛ لكن في الحق ؛ فنحب منا به ما نستجليه فيه ، وليس غير الصفات والأحوال ؛ وهو يحب فينا نفسه من حيث أن رؤيته لنفسه في مرآة مغايرة له من وجه مخالف لرؤيته نفسه في نفسه لنفسه ؛ بل لا رؤية هناك ولا تعدّد ؛ لأن المرآة المغايرة من حيث أنها محل التجلي المتقيّد بها تبدي فيما ينطبع فيها حكما لم يكن متعينا حال رؤية الشيء نفسه لنفسه . وهذا سرّ ، من اطّلع عليه عرف سر الذوات ، والصفات والأحوال ، والمرايا والمحال ، وإن العالم بحقائقه وصوره مرآة للحق من وجه ، والحقّ من وجه آخر مرآة للعالم ، وقد نبّهت على الوجهين ، فتذكّر . ثم اعلم أن أكثر الأولياء ، وكثيرا من الكمّل أدركوا الوجه الواحد من الوجهين المذكورين ، ورأوه الغاية ، ووقفوا عنده ولم يتعدّوه . وطائفة منهم وقفوا عند الوجه الآخر ؛ وكلا الأمرين أبديّ الحكم واقع في كل زمان دون توقيت ومناوبة . وذكر لي شيخنا وإمامنا رضي اللّه عنه بإخبار من الحق له ، ونص صريح أنه لا أعلى من هذا الذوق ، ولا أكمل منه في نفس الأمر ؛ فمن منحه فقد أدرك من الحق ما لا يمكن أن يدرك وينال أحد أتم منه ، فاعمل الهمّة ، وابذل المجهود ، فعلى مثل ليلى يقتل المرء نفسه . وقد حصل لنا ذلك بحمد اللّه ومنه عناية وموهبة ، فاجتهد يا أخي في أن يحبك الحق لا غير ، فإنه
رسائل ابن سبعين — صفحة 181 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي