تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
من الآفات هو الذي يطلبه السعيد ، فلا بدّ من المرشد ضرورة ؛ إذ الطالب القاصد لمطلوبه المتوجه إليه لا بدّ له من دليل ، وهو المرشد الحامل على الطرق المذكورة ، والدليل لا بدّ للماشي خلفه من تبعيته وتقليده ، وتسليم أموره كلها إليه ، وترك كل شيء من أجله ، والعزم والجد في المشي وراءه والتبعية ، حتى يبلغ التابع إلى المقصود ، ويقيمه في حضرة مطلوبه ومعبوده ، وهذا كله يحتاج إلى الود وعدم الملل ؛ لأنّا نقول : القدوة المرشد لو لم تختره ؛ لأنك تعتقد أنه أعرف الناس بالطريقة ، وأنصحهم ، وتعظمه وترجحه على كل شيء لم تقتد به وتقلده ، ولا تسلم نفسك ، وأحوالك إليه ؛ إذ لو رأيت بدلا منه لم تختره هو ، ولا انحصرت إليه ، فإذا ما اخترته إلا وقد عظمته ورجحته ، وتعظيمه وترجيحه والانحطاط إليه هو المحبة ؛ لأن المحبة حدها وجود تعظيم في القلب يمنع المحب النظر إلى غير محبوبه ، فهذا الود والمحبة شرط في الاقتداء ، والاقتداء يوجب تسليم الأمور وتمليك النفس المقتدى به . وهذه أيضا المحبة والود ؛ لأن المحب من شأنه إيثار المحبوب على نفسه ، والمحبة والاقتداء تحتاج الثبوت والملازمة ، والملل يوجب الانفصال والانصراف ؛ إذ حده هو منافرة المألوف بعد ملازمته ، والانفصال عنه بعد الاتصال به ، وهذا يفسد الاقتداء ، ويقطع السالك عن محبوبه ، ويحول بين القاصد ومقصوده ، ويؤدي إلى الشقاوة والهلك ، ولا شيء أقبح من الهلك والشقاوة في كل ملة ؛ إذ المحب إذا ملّ محبوبه نافره ، وتعود لذة المحبة ألما ، وتذهب لذة المحبة ، ويقع ألم المنافرة ، فلا شيء أقبح من الملل ، وأيضا المرشد دليل يحمل المسترشد إلى سعادته ومطلوبه ، فإن ملّ من اتّباعه وملازمته ذاته ، والمشي على أثره ، وانقطع في الطريق وفاته مطلوبه وسعادته ، وفوت السعادة هو البقاء في الشقاوة ، ولا شيء أشنع من الشقاوة ، ولذلك قال : « وإياك من الود مع الملل ؛ فإنه قبيح في كل الملل » « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الصدر القونوي قدس اللّه سره : اعلم أن المحبوب إنما أحب المحب لكونه سببا لاستجلاء كماله فيه ، ومحلا لنفوذ سلطنة جماله وبسط أحكامه ، فالمحبوب مرآة المحب يستجلي فيها محاسن نفسه المستجنة في وحدته قبل تعين المجلي ؛ لأن القرب المفرط والتوحّد كانا يحجبانه عن ذلك ، فإذا استجلى نفسه في أمر آخر بحصول ضرب من البعد والامتياز قريب من الاعتدال ، ورأى محاسن نفسه في المجلى ؛ أحبّها حبّا لا يتأتّى له ذلك بدون المجلى ، والامتياز المشار إليهما لما ذكرنا من حجابية القرب والوحدة . وأيضا ؛ فنسخة الحقيقة الإنسانية تشتمل على ما تستحق أن يحب كل الحب ؛ وعلى ما ليس كذلك ؛ بل يقتضي النفرة بالنسبة لما يضاده من الحقائق ويقابله ، فإذا تعيّن مجلي يتميز به وفيه من