تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وما بعد ، فكأنه قال : وإياك أيضا من الود مع الملل ، فهذا نهي . وقوله : ( فإنه قبيح في كل الملل ) خبر . فنبدأ ببيانه فنقول : الود : هو الميل إلى مشار ما يقصد ترجيحه على غيره ، كما تقول : نود فلانا ، بمعنى نميل إليه ، ونرجحه على غيره ، كأنه من أنواع المحبة ؛ لأن المحبة بعض حدودها ميل دائم ، وقلب هائم ، ومعنى ترجيح المحبوب وتعظيمه على كل ما سواه ، والود ميل بقصد ترجيح كما ذكرنا ، لكنه ليس فيه الهيام والاستغراق الذي في المحبة ، فهو مع المحبة بالجنس ، ويتأخر عنها بالنوع والفصل ؛ لأن المحبة أفضل منه ، وأقوى ترجيحا ، وأشد استغراقا ، فهو يطلق معها باشتراك ، وكأنه أقرب للإرادة ، أو هو الإرادة ؛ لأنك تقول : وددت فلانا ، بمعنى أردته ، وتقول : تود أن لو كنت في مكة ، ومعناه : تريد أن لو كنت في مكة . فهو والإرادة واحد بالمعنى ، والإرادة تخصص مرادها أيضا وترجحه على غير ، وكذلك الود ، لكن الود أخص منها قليلا وأشرف ؛ لأن الود يشعر بالتأكيد في الميل إلى المودود ، والأنس به واللذة ، والإرادة أفتر منه في ذلك ، فكأنه رتبة فوق الإرادة ودون المحبة ، والملل هو منافرة المألوف بعد الملاءمة ، أو هو الاستيحاش بالشيء بعد المؤانسة به ، كما تقول : مللت فلانا من صحبته ، بمعنى نافرته بعد محبته ، واستوحشت به بعد الأنس به . أو نقول : الملل هو رفض الشيء بعد قبوله ، كما تقول : مللت السمك ، بمعنى رفضته بعد أكله ، ومللت المغاني بعد سماعها ، وما أشبه ذلك . وبالجملة : الملل هو الانصراف عن شيء ومنافرته بالكلية ، ودفعه ، والانفصال منه بعد مؤالفته ، والاتصال به وجذبه . ولما كان الحيث في هذا الغرض يجر إلى طلب السعادة والكمال ، والسعادة والكمال لا يتوصل إليهما إلا بشروط ومقدمات ، والشروط والمقدمات تحتاج إلى استعداد وأدوات يطول ذكرها ، لكن نذكر منها هنا ما يفيد الأنموذج فنقول : قد تقدّم في غير ما موضع من هذا الكتاب بيان أن السعادة هي المعرفة باللّه ، والإقامة في حضرته ومشاهدته ، ونيل رضوانه ، وتحصيل الكمال الإنساني ، والنعيم الدائم ، وما أشبه ذلك . وهذا كله لا ينال إلا بالقصد الصحيح ، والتوجه والصدق ، واستصحاب الحال الذي لا ينفك إلا بنيل مقصوده ، والمرشد المعلم الناصح ، الخبير بالطريق القاصد الموصل للمطلوب بالوجه الأقرب ؛ إذ الطرق كثيرة ، ولكن القاصد منها القريب المسافة ، والآمن