هي الشريعة ، والأمور التي تفسدها هي الشهوات الحيوانية ، ونيلها وتعلق الأمل بنيلها وجنسها .
وقد تقدّم بيان ذلك في الكلام على الأمل المهدوم والعمل المهدوم ؛ لأنه جعل الأمور التي تفسد حكمة العادة مذكورة ومعطوفة في اللفظ على الأمل المهدوم ، والعمل المعدوم ؛ لأنه قال : « وإياك من الأمل المهدوم والعمل المعدوم ، ومن الأمور التي تفسد حكمة العادة وأصول السعادة » .
والمعطوف يرجع حقيقة إلى الذي عطف عليه ، وهو هو بعينه ، فصح أن الأمور التي تفسد حكمة العادة وأصول السعادة هي الأمل المهدوم ، والعمل المعدوم قد تقدّم تفسيره ، وفرغ منه ، فاعلمه من هناك .
فنرجع فنقول : الأمل خبر يتعلّق بالشهوات الحيوانية ، ويشخصها في الضمير وأمله ، وأشخاص الشهوات في الخبر تحجب الضمير عن مشاهدة الوحدة القائمة به ، والحركة للنيل تزيل الإنسان عن السكينة التي كان بها مقيما في حقيقته ، فالشهوات هي الحجاب وذات البعد ، والشريعة تزيلها وتمحيها ، فالشريعة تزيل الحجاب وترفع البعد ، وزوال الحجاب هو عين الرؤية للّه ، وزوال البعد هو عين القرب منه ، والقرب من اللّه ومشاهدته هي السعادة ، والحجاب عنه والبعد هما الشقاوة ، والشريعة تزيل الشقاوة ، وتفيد السعادة ، والمفيد للشيء هو أصل في وجوده ، فالشريعة هي أصل السعادة وأحكامها ، ووظائفها هي أصول السعادة .
وبيان ذلك أن العبادات الشرعية مجموعة من نية وعمل ، والنية في القلب ، والعمل في الجوارح ، والنية تعلق القصد باللّه ، وتصور ما يجب له ، فقد انصرف الضمير إلى اللّه ، ونال منه أمل العاجل ، وأخير الشهوات .
والعمل الشرعي يصرف الجوارح كلها إلى اللّه ، معناه : في عبادة اللّه ، فقد تعطل من الجوارح كسب العاجل ، وذهبت الشهوات العاجلة والظاهر والباطن ، وانصرفت الجملة إلى اللّه ، واستغرقت الأزمنة فيه بالجملة ، والشهوات هي عين البعد والحجاب كما تقدّم ، فذهابها هو نيل القرب والسعادة والكمال ، وأعمال الشريعة أصل ذلك ، فأحكام الشريعة هي أصول السعادة ، وحكمة العادة كما ذكرنا فاعلم ذلك ، وتصفح الكلام المتقدم والمتأخر ينفتح لك معنى ذلك ، وتجد ذاتك مقيمة في حضرة ذلك .
قوله رضي اللّه عنه : « ومن الود مع الملل ، فإنه قبيح في كل الملل »
. ضمير معطوف على النهي المتقدم الذي نهى فيه عن الأمل المهدوم والعمل المعدوم