تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
فالشريعة هي الحكمة التي تذهب العادة ، وتفيد السعادة ؛ لأنّا نقول : اللّه هو الخير الذي يراد لذاته ، والسعادة هي نيل الخير وتحصيله ، والشريعة تحمل إلى اللّه كما تبين في الكلام على الشهادة والصلاة ، فالشريعة تحمل إلى السعادة . وتقول : اللّه هو الموجود الحق ، وهو مطلوب السعداء ، وبمعرفته ومشاهدته تنال السعادة والشقاوة في البعد عنه والجهل به ، والعادة هي تحجب عن اللّه ، والحجاب هو البعد والشقاوة ، فالعادة أصل البعد والشقاوة ، فخرقها وإزالتها القرب والسعادة . والشريعة تخرقها وتزيلها ، فالشريعة أصل السعادة ؛ لأنّا نقول : البعد عن اللّه بوهم العادة ، والشريعة تزيل ذلك الوهم ، فالشريعة تزيل البعد ، والبعد ضد القرب . فزوال البعد نيل القرب ، فالشريعة تفيد القرب من اللّه . والقرب منه هو الكمال والنعيم الدائم ، والكمال والنعيم الدائم هو السعادة . فالشريعة تفيد السعادة ، وبها هو وهو بها ، وهي شرط في نيلها ، وما هو شرط في وجود الشيء فهو أصله ، فالشريعة أصل السعادة . والكلام في باقي الدعائم ، وكونها تخرق العادة مثل الكلام على الكلمة ، والصلاة وإن اختلفت أحوالها بالكيف ، فهي تتفق بالمعنى والانفعال من حيث تزيل العوائد ، وتحمل إلى اللّه ، وذكرت لك البعض منها ؛ لكي يفيدك الأنموذج ، وتستدل بالنوع على جنسه ، وبالمثل على مثله ، والكلام على الدعائم الخمس ، وتبيين معنى كل دعيمة قد ذكرته في كتاب « الأنوار » فانظره هناك ، فقد تبيّن لك أن الحكمة التي تزيل العادة وتفيد السعادة
هامش
فهو ممن نبّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على أنه مقرّب بقوله : « ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها ، وقدمه الذي يسعى به . . » إلى آخر الحديث . فالمصلّي بكليته يصلي بصلاته جميع العوالم ، والمتمكن يصلّي بجمعيته إذا شاء ، وبتفرقته إذا شاء ، وببعض أطواره إذا شاء ، وبظاهره دون باطنه إذا شاء ، وبباطنه دون ظاهره إذا شاء ، والمتلون لا يقدر على جميع الصلوات في الصلاة الشرعية ، وإنما يأتي بما يستطيع منها ، ولم يكلفه الشارع القيام بحقيقة الجمع فيهن ؛ إذ لا قدرة له على ذلك ، أعني غير الممكن ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم » . فالمتلون ضعف عن القيام بما يقوم به المتمكن ؛ لقوة المتمكن ، فالخطاب للقوي المتمكن من اللّه عز وجلّ أمره له بالإخلاص ، وحقيقة الإخلاص الخلوص من الشرك الخفي والجلي ، قليله وكثيره .
رسائل ابن سبعين — صفحة 177 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي