تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
هامش
في البحار والأنهار إلى الأرض الجرز ، وما تخرجه من النبات والأقوات ، والفواكه المختلفة الطعوم والألوان ، وما تشتمل عليه من النفع والضر للحيوان والإنسان ، وما يكون منها غذاء لأهل الجنان ولأهل النيران ، وما لا يدخل تحت حصر حيطة علم إنسان ، ولا ملك ولا جان ، ولا يطيق حمل معرفته الثقلان ، فسبحان الملك العظيم الشأن ، فإذا صلى السر هذه الصلاة الطورية ، وقام بها في السرية والجهرية نال مقام العرفان ، وشهد محل الرضوان ، وكان للأنبياء والرّسل من خواص الأتباع المحبين الإخوان ، تلو العلماء المصطفين من عباد اللّه المتقين . فهذه لطيفة من أبعاض صلاة الأسرار ، فمن صلّى سره هذه الصلاة المرضية ، وقام بحقيقة هذه الأوصاف السنية ، وبلغ بفهمه الثاقب ، ودركه الصائب ، ونوره الساطع ، وحسامه القاطع إلى أفق هذا المقام العلي ، وسنا برقه البهي ، فوقف على باب الرحمة طالبا إفاضات الفضل الإلهي ، والرحمة الربّانية ، سائلا ربه العفو والغفران ، والإعانة على الخروج عن التعلّق بحبال الجزاء والثواب ، والالتفات لنعيم الجنان ودار الرضوان ، فإذا تأدّت هذه الصلاة بكمالها من أقوالها وأفعالها وأحوالها انثالت عليه إضاءات الأنوار الرحمانية البطانية للطور السابع ، بعد ختم صلوات العوالم الست ، فيبدأ العالم السابع بإتيان صلاته وتمحضه بالخروج عن مقاماته وغاياته ، فيرقى في معاريجه الإخفائية ، والأفئدة الاصطفائية الاختصاصية ، بريئا من حوله وقوته ، مجردا من أثواب أنيته ، ممحوّا رسمه واسمه بين العالمين ، حاضرا بحقيقة الافتقار لأرحم الراحمين ، وأكرم الأكرمين ، متابعا للقدم النبوي المحمدي ، موافقا مرافقا للطيف الأحمدي ، عار من كسوة الأغيار ، لابسا حلل الأنوار ، غريقا في بحر الوحدانية ، مستهلكا في زمان الفردانية ، معدوما للأكوان ، مشهودا للرحمن ، مسوّى معدلا لقبول فيض التنزلات الربّانية ، والانفهاقات الرحمانية ، ثابتا تحت أحكام الأقدار ، فقيرا من جميع الأغيار ، حاضرا باللّه مع اللّه ، شاهدا للّه باللّه ، سامعا كلام اللّه باللّه ، تاليا للقرآن باللّه ، عالما باللّه ، كاشفا باللّه ، ذاكرا للّه باللّه ، مصطلما في نور اللّه ، آخذا بكله كلا من اللّه ، فلا يرى سوى اللّه ، ولا يفوه إلا باللّه ، ولا يشهد في الكون إلا اللّه ، ولا يرى ضرّا ونفعا إلا من اللّه ، ولا قبضا وبسطا إلا من اللّه ، ولا ظهورا وبطونا إلا للّه ، ففي صحوه يشهد اللّه وهو بمقام العبودية ، واضعا قدمه على أثر القدم المحمدي ، والنعت الأحمدي ، سامعا كلام الربوبية بحقيقة العبدانية ، فأرته كلامها الرباني ، وتنزلها الرحماني بالأفق الأعلى .ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى[ النجم : 11 ] ، فهو محل لتنزل العلم اللدني ، وإلقاء النور الروحي في غاية من الكمال والتمام بالاتصاف بحقيقة الفقر لذي الجلال والإكرام ، فأخذه من اللّه تبارك وتعالى عطاؤه ونواله سرمدي بغير انقضاء ولا انقطاع ، ولا حقيقة وصف وامتناع ، فصلاته دائمة سرمدية أبدية أمدية ، نظر إلى حقيقة أوصافه النورانية ، ووجهه وجهة ظهارية لباطنية ، وكشفية لغيبية ، وتنزلية لعلمية ، وسرمدية لأزلية ، سامعه لما قيل للنبي الكريم داود عليه البركات والتسليم من الرب الكريم : « يا داود أنا بدّك اللازم ، فليس لك مني بد ، فإن حصلت لك حصل لك كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء » . فهذه صلاة الموحدين المخلصين لرب العالمين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فهذه صلوات الأطوار