مما هو موجود ، فهو حاصل في كل ماهية ، والحاصل لا يبتغى ، والراغب يرضى ، والجاحد لا يسيء ، والطالب لا يلقى ، والباطل لا يبقى ، والراكب لا يشقى ، والأوج لا يرقى ، فحط واقلع ، واهرب واجمع ، وواصل واقطع ، يصح لك ذلك إن أرادك لذلك .
قوله رضي اللّه عنه : « ومن الأمور التي تفسر حكمة العادة وأصول السعادة » .
العادة هي ارتباط موجود بموجود من غير قضية شرعية لا عقلية ، والحكمة العلم والعدل ووضع شيء في محله ، والحد الأول ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « الرسالة الرضوانية » ، وحد الحكمة ذكره في « الإصبعية » وغيرها .
والأصول : جمع أصل ، والأصل : ما ثبت حكمه بنفسه ، والفرع ما ثبت حكمه بغيره .
وقد نقول : الأصل هو ما لا يكون محمولا على غيره ، كما أن الفرع هو المحمول على الأصل ، وهي السعادة المذكورة ، فإنه ذكر الأصول إليها السعادة ، فالسعادة فرع محمول على أصول يأتي ذكرها إن شاء تعالى .
والسعادة هي تحصيل المطلوب المعمول عليه ، أو هي اللذة الدائمة الثابتة ، أو هي كمال الإنسان .
وأما قوله : ( الأمور التي تفسد حكمة العادة ) .
فهي الكسل عن التوجه ، والغفلة والملل ، واتباع الهوى ، ونيل الشهوات الحيوانية والجهل ، فهذه من الأمور التي تفسد حكمة العادة ، وهي مما ذكرها هو في بعض الوصايا ، وإضافة الحكمة للعادة أراد بها التي تخرق بها ، وتقطع إذا قدر على قطعها ، وإلا تضعف بالحكمة شيئا شيئا حتى تقطع لا أنها تقوى وتزيد ؛ لأن قوله : « حكمة العادة » ، يحتمل أن تقوى بها العادة ، أو تضعف وتقطع ، فلما علمنا أن العادة من القواطع المهلكة والحجب صحّ عندنا أن السعادة لا تنال إلا بخرقها ، وعلمنا أن مراده الحكمة التي تخرق العادة وتمحلها ، وهو قد ذمها في كتب كثيرة بقوله : « العادة مهلكة » ، وقوله : « خوف ما بعد العادة حرمان » ، فصحّ أن مراده ضعف العادة وقطعها وزوالها ، والحكمة التي تفارقها وتخرقها هي الشرعية ؛ لأن العادة هي الاستناد إلى المأمون ، والوقوف عنده ، والميل للروابط ، والشرعية تفسد ذلك من صفة نفسها ؛ لأن أول وظيفة من الشرعية كلمة « لا إله إلا اللّه » ، وفي ضمنها أن لا فاعل إلا اللّه . والعادة : ارتباط موجود بموجود ، كارتباط الزرع بالمطر ، والري بالماء . وكلمة : ( لا فاعل إلا اللّه ) أفسدت ذلك ، فلا الخبز يشبع ، ولا الماء يروي ، ولا المطر ينبت الزرع ، ولا الأب عادة ذاتية في وجود الولد ، ولا شيء يفعل شيئا من الأشياء المتماثلة ، فإذا العلم كله قضايا مفردة متماثلة في الحدوث والافتقار ، ولا ينفع