بعضها بعضا ، ولا يضر بعضها ولا ينفعه ، فقد انخرقت العادة بأول وظيفة من وظائف الشرع ؛ لأن العادة توهم أن الأشياء بعضها من بعض ، ومفتقرة بعضها إلى بعض ، وعلل بعضها في بعض ، و ( لا فاعل إلا اللّه ) أزال ذلك كله ، وجذب الروابط ، وصرف الموجودات كلها إلى اللّه صرفا واحدا ، وتضمن أن الحادث من كل الجهات لا يكون مستقلّا بوقت ولا في وقت من الأوقات ، فصحّ أن الحادث كله لا يفارق فاعله ، وأن الفاعل له هو صورته المقومة والمتممة ، فهو إذا ماهية ، فصح من ذلك أن اللّه هو ماهية كل موجود وبده ، فإذا كان ذلك فلا وجود إذا لغير معه ولا ماهية ، فقد أعطت كلمة :
« لا اله إلا اللّه » أن لا موجود إلا اللّه في النظرة الثالثة ، كما أعطت في الأولى أن لا فاعل إلا اللّه .
فإذا العادة هي خبر الضمير عن القضايا ، وربط إلى بعض في الذهن ، ولا ارتباط بينهما في أنفسها ، ولا اختلاف بينها في الوجود .
فالعادة خبر في الضمير لا غير ، ويمنع الضمير عن ملاحظة الوحدة الوجودية ، ودفع الأغيار ، ولأن ملاحظة الوحدة هو الكمال والسعادة الأبدية ، والعادة تمنع ذلك فتمنع السعادة والكمال ، والشريعة تخرق العادة وتزيلها ، فالشريعة تفيد السعادة والكمال والرفعة والبقاء الدائم ومشاهدة الصمدية . فالشريعة هي الحكمة التي بها تزال العادة وتنال السعادة .
وكذلك القول في الصلاة ؛ فإن الصلاة تزيل النفس عن شهواتها ، وتخرجها عن اختياراتها ، وتمحو أخبارها ، وتصرف الذوات إلى مناجاة اللّه تعالى ، والحضور بين يديه ومشاهدته في مقام الإحسان ؛ لأن العبد المؤمن قد استقرّ في إيمانه أن اللّه هو فاعل كل شيء وخالقه ، والمحسن للأشياء على الإطلاق ، وأن الطائع له يحمله إلى جنته ورضوانه ، وأنه هو المولى الذي تجب طاعته وعادته ، فإذا قام إلى الصلاة علم أن اللّه قد ألهمه ونبهه ، وإذا صلّى علم أن اللّه قد أقامه فيها ، وأعانه عليها ، ورحمه بها ، فعلم أن الصلاة نعمة من اللّه منحه إياها ، ونعمته لا تفارق يده ، وأنه معها بالإيجاد والخلق ، فشاهد الحق بالحق ، وارتفع عنه وهم الإضافة ، ووهم نفسه من حيث رأى المصلى له هو المصلي ، وأن شهوده هو الشاهد والشهادة معا .
وهذا هو معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أن تعبد اللّه كأنك تراه « 1 » » الحديث ، فقد انخرقت
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) .