تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
الممكن لا وجود له من نفسه ، ووجوده باللّه وعنه وعنده ، فهو ينحل إلى فاعله بالاستحقاق ، وما هو منحلّ إلى شيء فهو مهدوم . والأمل خبر عن موجود يعتمد عليه ، والعالم مهدوم كما ذكرنا ، فالخبر المعتمد عليه مهدوم ، والحق موجود ثابت بنفسه لا يتبدّل ، والخبر المعتمد عليه متعلقه لا يتبدل ، فالمتعلق لا يتبدّل ، وأيضا الوجود هو واحد ، وهو اللّه ، وهو الوجود المطلق ، والعالم لا وجود له إلا به وفيه كما تقدّم ، فالعالم قضايا تتماثل في الوجود المطلق ، وهي زائلة في أنفسها ثابتة به ، فهي أمثلة ومراتب فيه لا تغايره . فالخبر المتعلق بها أمل مهدوم ؛ لأن الوجود يزيلها ويأخذها استحقاقا ، وكل زائل مهدوم ، والخبر المتعلق بالمهدوم مهدوم ، والوجود المطلق هو الوجود حقيقة ، والمراتب لا تخبر عن أنفسها ولا عنه ؛ إذ لا وجود لها في أنفسها ، ومن لا وجود له لا يأمل ولا يخبر ، فإذا لا خبر ولا أمل إلا في خبر الذي يشعر بالإضافة كلها كذب وخرافة ، فلا أمل ولا مأمول في الوجود حقيقة ، فقد ذهب الأمل ، وثبت الحق الذي لم يزل ، فالأمل كله الخسيس منه والرئيس معدوم في الحقيقة ، وذاهب لا وجود له ، ومن لا وجود له فهو معدوم ، بل معدوم لعينه ، وهذا هو معنى قول سيدنا رضي اللّه عنه : ( وإياك من الأمل المهدوم ) . وهذه الألف واللام تأخذ في التفسير الأول لتبيين الجنس ، وفي هذا الآخر للعبد ، وفي البداية والسلوك خرج عن الأمل مقيدا ، وفي هذا الموطن أخرج عنه مطلقا ، بل لا تجده من نفس هذا المقام ، وهذا هو معنى قول سيدنا رضي اللّه عنه : ( أنعم علي بخير يقطع الأمل ) ؛ لكونه الجامع المانع . وهذه الكلمة مذكورة في « وحي الاستخارة » ، تثبته الإضافة والوهم ، ويذهبه التحقيق والفهم ، فافهم ذلك . وكذلك القول في العمل المعدوم ، فإن العمل هو تصريف النفس بالآلات الجسمانية والروحانية للكسب والتحصيل ، والكسب هو تحصيل الخيرات المحبوبة للنفس ، كما كسبت مائة دينار ، وكسبت علم الأصول علم وما أشبه ذلك . ولما كانت الدنيا بالعمل والخدمة مثل الصنائع والتجارات وما أشبه ذلك ، والدنيا معدومة وذاهبة كما تقدم ، فالعمل لها وفيها معدوم ، ولما كان العمل ينقسم إلى عمل يحمل على السعادة الكمال والرفعة ، وعمل تحصيل به الدنيا ومرابتها ، والسعادة والكمال باقية وثابتة ، والدنيا ولواحقها ذاهبة ومعدومة ، أطلق القول في الأول بقوله : « وإياك من العمل » ، وقيّده بقوله : المعدوم ؛ لأن العمل لا فائدة له إلا تحصيل المطلوب المعمول
رسائل ابن سبعين — صفحة 170 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي