عليه ، والعمل للدنيا والآخرة والدنيا معدومة ، فالعمل لتحصيلها معدوم ، والآخرة ثابتة وباقية ، فالعمل للآخرة موجود ثابت وباق أبدا ، فنهاك عن المعدوم ، وبقي الموجود على أصله .
فنقول : العمل هو الحركة في تدبير الجسم ، والجسم معدوم بالطبع كما تقدّم ، فالعمل في تدبيره معدوم .
ونقول : العمل ينقسم إلى عمل يستجلب به شهوات النفس الحيوانية ، وعمل يحصل به كمال النفس الناطقة ، والنفس الحيوانية معدومة ، فالعمل لشهواتها معدوم ، والنفس الناطقة باقية ، فالعمل لكمالها باق أبدا .
وأيضا : العمل ينقسم إلى صالح وغير صالح ، والعمل الصالح من أخلاق اللّه ، والغير الصالح من أخلاق الشيطان ، يؤدي إلى الخسر والشقاوة .
والعمل الغير الصالح يؤدي إلى الخسر ، فهو معدوم من حيث أن لا منفعة فيه ، ومعدوم من حيث أنه يقطع عن اللّه ، واللّه هو الوجود حقيقة ، والمقطوع عنه معدوم .
وأخلاق اللّه صفات لا تفارقه ، فالعمل الصالح لا يفارقه ؛ لأنّا نقول : العمل الصالح أخلاق اللّه وصفاته ، وأخلاق اللّه وصفاته لا تفارقه ، فالعمل الصالح لا يفارقه ، فهو موجود أبدا ، وأيضا العمل يطلب به تحصيل الخير النافع ، والخير موجود ومطلوب يشار إليه ، والموجود ينقسم إلى واجب الوجود ، وممكن الوجود ، فالواجب الوجود هو اللّه ، وهو الذي قام بنفسه وقام به غيره ، والممكن الوجود هو العالم ، وهو الذي لم يقم بنفسه ، ولم يقم به شيء ، والعمل طلب منه ما يتعلق بالممكن ، ومنه ما يتعلق بالواجب ، والممكن إذا طلب منه الخير لا يعطيه ولا يقدر عليه ؛ إذ ليس هو قائم بنفسه .
فالعمل الذي يطلب به الخير من الوجود الممكن معدوم ؛ إذ لا خير له ، والعمل الذي يتعلق بالواجب يحصل به الخير ؛ إذ الواجب الوجود هو المفيض للخيرات ، ومعطيها على الإطلاق ، فالتوجه للعالم عمل معدوم ، والتوجه للّه عمل موجود ، وأيضا اللّه مقوم كل موجود ممكن ومتممه ، فهو ماهية كل ماهية ممكنة ومستحقها ، فهو ماهية الطالب والمطلوب ، والخير الموجود في الماهية المطلوبة هو بعينه الموجود في الماهية الطالبة ؛ إذ هو الوجود في كل موجود ، والوجود لا يختلف بما هو موجود ، فهو واحد في كل ماهية ، والخير المطلوب في مظهر ما هو الموجود بذاته في الطالب ، فالخير إذا حصل ، والطلب وهم ، والطلب هو العمل ، فالعمل وهم ومعدوم في الحقيقة على الإطلاق ؛ لأنّا نقول :
العمل يطلب به الخير ، والخير هو اللّه ، وذاته هي الخير المحض ، واللّه هو وجود كل موجود
رسائل ابن سبعين — صفحة 171
مساهمون: ابن سبعين
ص١٧١