والحكماء الإلهيون يقولون : إن النفس المدبرة للجسم هي النفس الحياتية ، وهي فانية بإجماع لفناء مركبها ، والنفس المستقيمة عندهم على التوجه ، وطلب الحكمة ، والبحث عن المعارف والمحبة للباري تعالى ، وطالبة القرب منه هي النفس الناطقة ، وهي باقية أبدا بإجماع منهم ، والذي اختلف في بقائها رجع عن قوله وقال ببقائها .
فإذا التعلق والأمر المدبر للجسم هو النفس الحيوانية أو خبرها ، والأمل المتوجه للّه ولمعرفته هو خبر النفس الناطقة ، ومتعلق النفس الحيوانية هو الجسم ولذاته ، ومتعلق النفس الناطقة ومحبوبها هو الحق ، والجسم مهدوم ومضمحل . فأمل النفس الحيوانية مهدوم ومنحل ، وأملها هو جوهرها ، فجوهرها مهدوم .
وأمل النفس الناطقة هو اللّه ، ومعرفته ومحبته والنظر إليه ، ومعرفته ومحبته والنظر إليه هو جوهرها ، والحق دائم لا يزول ، فالنظر إليه دائما لا يزول ، فالمتعلق باللّه ثابت ، والمتعلق بالجسم ذاهب ، والذاهب مهدوم ، والثابت لا يهدم أبدا ، وهذا وإن كان يحتاج إلى مقدمات وإقامة برهان على أن جوهر النفس الناطقة هو النظر إلى الحق ، وأن المدبر للجسم هو النفس الحيوانية فإنه يحتاج إلى تطويل ، ولا حاجة بنا إليه في هذا الكتاب ، ولكن هو مذكور في كتب القوم ، ومقدماته عليه صادقة ، وقد ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « بد العارف » ، وفي « مسائل صاحب صقلية » ، فانظره هناك ، أو اسألني عنه مشافهة ، أو اقنع فيه بالآيتين المتقدمتين في النفس التي لا تموت ، وفي النفس التي تذوق الموت وركب عليهما معقول ما ذكرناه ، وتفهمه إن شاء اللّه ، ويكفيك فيه علمك بأن الجسم فان كما ذكرناه ، ولذاته تفنى بفنائه ، وإن الحق باق ، واللذة بمعرفته ومحبته تبقى ببقاء متعلقها ، فاعلم ذلك . ونقول : النعيم عرض ، والعرض إلى ضد ومثل وغير وخلاف ، ونعيم الدنيا تخلق أضداده وأغياره ، والشيء يذهب بضده ويزول بغيره ، وكل ذاهب مهدوم ، فنعيم الدنيا مهدوم ، ونعيم الآخرة تخلق أمثلته ، والموجود في المثل هو الموجود في مثله ، فهو دائم أبدا ، وما هو دائم فليس بمهدوم .
ونقول : العالم بأسره ممكن الوجود ، والممكن الوجود لا فعل له ، ولا تصريف له ، والواجب الوجود له الفعل والتصريف .
والأمل ينقسم إلى قسمين : أمل يتعلّق بالعالم ، وأمل يتعلّق باللّه ، فالأمل المتعلق بالعالم لا يحصل له مأمول ؛ إذ العالم لا يفعل ، فهو أمل مهدوم من حيث أن حقيقة تركيب الأمل هو نيل مطلوبه ، فإذا لم ينل مطلوبا لا تركيب له ، فهو مهدوم ، والأمل المتعلق باللّه ينال مطلوبه ؛ لأن اللّه هو الفاعل المتصرف ، فالأمل المتعلق به غير مهدوم . ونقول : العالم
رسائل ابن سبعين — صفحة 169
مساهمون: ابن سبعين
ص١٦٩