تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وفي الجنة . ولو أطلقه أيضا ويأمر به مطلقا ؛ كان يلزم التحريض عن الدنيا والأمر بها ، وهو لا يجوز ، واحتاج إن قيد اللفظ المطلق ، فإن قوله : ( وإياك من الأمل ) هو نهي مطلق ، فلما قال : المهدوم ، وقع النهي عن الدنيا ، وبقي الأمل متعلقا باللّه وبالدار الآخرة ، ثابتا على أصله ، وذلك أن الأمل المهدوم هو تعلق الإرادة بالأمور الذاهبة المختلّة ، وهي الدنيا ولواحقها . ويسمّى الأمل مهدوما لأجل ما هو متعلقه مهدوم وذاهب ، وهذا من قبيل الشيء الذي يسمّى باسم متعلقه ، كما تقول : همة خسيسة إذا كان متعلقها خسيسا . ولما كانت الدنيا سريعة الانتقال ، وقليلة الثبوت ، ولذاتها تكون في وقت دون وقت ، وما من لذة تتصور فيها ، ولا خير ينتشي ويتركب ، ويوجد في ساعة من الزمان إلا ويتحلل في الثاني ، ويذهب ما ثبت منها ، وينعدم ما بقي فيها ، مثل لذة الجماع إنما هي زمان فرد ويدخله الألم ؛ لأنه لذيذ وجيع ، وكذلك الأكل وخيره ، إنما هو في زمان مناولته فقط ، وفي عقبه تذهب تلك اللذة ، ويبقى الخبر يتلذذ بما يستقبل من مثله في وقت آخر ، وهذا خبر وهميّ ، فإنه يتلذذ بشيء غير موجود في الحال ، وقد يحال بينه وبين ما أمله من ذلك ، ويأتيه ضده ، ويسلب عنه هو ، إما المرض أو بالقلة أو بالموت ، وكذلك القول في اللباس يفنى مركبه ، ويبلى جديده . وبالجملة : نقمتها أكثر من نعمتها ، وقبضها أكثر من بسطها ، وتنقطع بالموت ، ويذهب وجودها بالجملة ، فهي معدومة بالضرورة ، والأمل المتعلق بها مهدوم ، والعاقل لا يتعلق بخير يعلم أنه يفقده ، وينفصل عنه بالضرورة . فنقول : الأمل المهدوم هو المتعلق بتدبير الجسم ؛ لأن الجسم مركب من أضداد ، ومن بسائط ، وكل مركب من أشياء كثيرة ينحل إليها ، والجسم مركب من أشياء ، فهو ينحل إليها ، والانحلال هو الهدم ، والمنحل هو المهدوم ، والجسم منحل ، فهو مهدوم ، والأمل المتعلق بالمهدوم مهدوم ، وبناء الجسم معلوم عادة وطبيعة وشرعا ، أما عادة فظاهر لنا ؛ لأنا وجدنا الأجسام تنحل وتذهب ، وأما طبيعة فهو ما ذكرنا من انحلال المركب من البسائط التي تركب منها ، وأما شرعا فقوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] . وقال في النفوس المدبرة للأجسام :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] ، وفي النفوس المتوجهة للّه ، الساعية في مرضاته :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ
[ آل عمران : 169 . ]