فإنا نقول : لو إن رجلا ادعى محبة الملك لذاته وصفاته الذاتية له ، وشغف قلبه بجماله وكماله ، ثم طلب منه ألف دينار ؛ لكان ذلك طعنا فيما ادعاه ، واختلالا في محبته ، إذ قد دخل في قلبه غير صفات الملك الذاتية ، وطلب منه اللواحق الخارجة عن ماهيته ؛ فإذا الدعاء بالإخلاص للّه هو تعلق الهمة والقصد والجملة بذاته والهيام بجلاله ، وزوال الإضافة والفناء عن جمع المطالب ومحو الغيرية من قلب المخلص حتى يفنى عن وجوده ، ويصير شاهده هو مشهوده ، وعابده هو معبوده .
فهناك يذهب الإخلاص ، ويلقي السلاح ، ويناديه الكمال ، ويستجيب في ماهيته ، ويظهر عليه سراج ، وتذهب الأضداد والأغيار ، ولا يبقى خلاف يتحفظ منه ، ولا عدو يقاتل بالسلاح ، وهذا هو معنى قول سيدنا رضي اللّه عنه : ( والدعاء بالإخلاص سلاح ) .
وقوله رضي اللّه عنه : ( وإياك من الأمل المهدوم والعمل المعدوم )
. الأمل : وهو تعلق الرجاء ببقاء الحال الحاصل من الخير المحصل ، وباستدعاء مثله وأحسن منه ، وانتظاره في الزمان المستقبل ، كما نقول : نؤمل الآن البقاء في الدنيا وكسب الأموال فيها ، أو نقول : الأمل : هو تعلق النفس بخير إمّا حاصلا تريد ثبوته ، وإمّا مفقودا تريد تحصيله أو مجموع ذلك ، أو نقول : الأمل : تعلق النفس بحفظ الملكة أو بنيلها .
والمهدوم : هو الشيء المنحل بعد تركيبه ، والمفسود بعد كونه ، وبالجملة المبني : هو الجسم المركب ، والمهدوم : هو الجسم المنحل بعد تركيبه .
وقد نقول : المهدوم : هو الشيء الذي تفرق اتصاله ، وانفصلت جواهره بعضها من بعض ، فاعلم ذلك .
والمعدوم : هو المنتفي كما ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « الرسالة الفقيرية » .
وقد نقول : المعدوم ما ذهب بعد إثباته ، كما تقول : فلان معدوم إذا مات وانقرض ، بالجملة ، المعدوم ما ليس بموجود كما رسمه سيدنا رضي اللّه عنه في « الفقيرية » .
ولمّا كان الأمل هو تعلق النفس بخبرها ، والخبر ينقسم إلى محمود ومذموم ، فالمحمود منه هو الثابت الذي لا انقطاع له ، وهو الجليل المعتبر بصفات الكمال ، والمذموم هو الذاهب المنقطع ، وهو الخسيس المشار إليه بالنقص والرذالة ؛ قيد اللفظ بقوله : ( المهدوم ) .
ولمّا كان العمل يتعلق بمكاسب ذاتية وعرضية ؛ قيد بقوله : ( المعدوم ) ، وذلك الأمل ينقسم بحسب متعلقه ، وهو واحد في التعلق ؛ فإن الأمل هو الإرادة والرجاء ، والإرادة والرجاء قد تتعلق بالدنيا ومكاسبها ، وتتعلق بالآخرة ؛ ولذلك خصص اللفظ العام وقيده ؛ لأنه لو قال : ( وإياك من الأمل ) ، وسكت عند ذلك ؛ كان يلزم التحذير عن الأمل في اللّه