تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فإذا كان الذكر أكبر النعم كما ذكرنا ؛ فالغفلة والذهول عن اللّه أكبر النقم ، فإذا دعا العبد ربه فقد ألهم وأقيم في الذكر ، ونبه عليه ، ورفعت عنه الغيبة ، والبعد عن اللّه ، وأقيم في الذكر والحضور والعبادة فقد أجابه من حيث رفع عنه ضر البعد ومنعه الغفلة ، وكفاه شر الشقاوة وأسبابها ، وأنعم عليه بالحضور والمشاهدة والذكر والعلم بافتقاره إلى بارئه ، وأحضره عنده مع الحاضرين السعداء ، فقد أجاب الداعي قبل دعائه من حيث أعطاه الدعاء من حيث أسعده به ، وأنعم عليه بجنته ومشاهدته ؛ فكل داع للّه مجاب بالضرورة التي ذكرناها من دفع نقم الغفلة ، وإعطاء نعم الحضور والذكر والمشاهدة ، فاعلم ذلك . وأيضا الإخلاص « 1 » : هو تحرير القصد ، وتجريد الغرض للّه تعالى كما تقدم رسمه ، فإذا أخلص الإنسان قصده للّه ، بمعنى إنه أراده لذاته ، وأحبه لجلاله وكماله ، فلا يطلب منه النعم الفعلية ؛ فإنها تشوب إخلاصه ، وتبطل كونه مخلصا ؛ لأنه قد طلب منه أفعالا ، والأفعال غير الذات ، ووقوع غير ذات المحبوب في قلب المحب إشابة واختلال في محبته .
هامش
وأخبر عن معراج آخر ، وهو المعراج الروحي السري فقال : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل » . وأخبر عن معراجه المحمدي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : « كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان » . فهذه المعاريج النورانية للنفس الزكية السنية البهية العروج في هذه الأطوار ، فلكلّ منها قسم مقسوم ، ونصيب معلوم . قال اللّه تبارك وتعالى :قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ[ البقرة : 60 ] . وقال تعالى :اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[ الحج : 75 ] . وقال تعالى :يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ البقرة : 105 ] . وهو :يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ[ البقرة : 269 ] . ( 1 ) قال الشيخ الأكبر قدّس سرّه : ( من أخلص ) أعماله وأصفاها من شائبة الرياء ( تخلص ) من الأهواء والبلاء ، ويفوز في الآخرة بالنعماء ، ومن أخلص معاملاته مع الحق من الخلق حتى من نفسه تخلص من ظلمة الأغيار ، ويدخل في ضياء نوره ، ومن أخلص قلبه عن السوى بدوام النظر إلى المولى تخلص عن الشرك الخفي والأخفى ، فالأول للعوام ، والثاني للخواص ، والثالث لأخص الخواص ، والكل ممدوح ومطلوب قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الإخلاص إيمان كله » . قال الشيخ قدّس سرّه :من عامل الحقّ بالإخلاص قد ربحا * وإن يكون فيه شرك فهو قد سمحاوانظر : شرح الحكم للباني ( 31 ) بتحقيقنا .
رسائل ابن سبعين — صفحة 166 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي