فيه مضرته ؛ لم يكن محسنا من حيث علم مسألته يدعوه في الخير والنعمة ، ويجبه بالسيئة والنقمة ؛ وإنما إحسانه أن يختار له ما هو خير له ونعمة ، ويرشد فيما عجز عنه إذ العبد الحادث عاجز من صفة نفسه .
ولذلك قال سيدنا رضي اللّه عنه للشيخ أبي عبد اللّه الدلون رضي اللّه عنه : ( ادع ولا تعيّن مطلوبا ) .
فإن قيل : ما الفائدة في الدعاء إذا لم يعين مطلوبه ؟
قلنا : فائدته الإشعار بالاحتياج ، والالتجاء إلى اللّه ، والافتقار إليه حتى في العجز عن معرفة المصالح ، وطلب الإرشاد لها منه ، ويكون الدعاء هنا بمعنى الذكر والعبادة والدخول في العبودية المفتقرة من كل الجهات .
ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مخبرا عن اللّه إنه قال : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » « 1 » .
وأيضا النعم الفعلية لا ثبوت لها ، ولا هي مطلوبة لذاتها عند السعداء ، إذ لو قدرنا عبدا منعما ، وهو غافل عن اللّه ، غائب عن مشاهدة المنعم في نعمه ؛ لكانت النعمة عليه نقمة ، إذ هو غير ذاكر ولا حامد للمنعم . وأدى ذلك إلى كفر النعم ؛ والكافر بالنعم شقي ومحروم ، وكذلك الغافل عن اللّه ؛ فإذا ذكر اللّه هو النعمة الكبرى ، فإنه يصرف الذاكر إلى اللّه الذي يراد لذاته ، وهو النعمة التي لا تقاس بالنعم ، والذي إذا ظفر به ظفر بكل نعمة ، ويستغني الذاكر بمشاهدته في مقام الإحسان ، وبحضوره عنده كل نعمة ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم « أظل عند ربى ويطعمني ويسقيني » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 184 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 6 / 34 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1 / 413 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2661 ) ، والترمذي ( 3 / 148 ) ، وأحمد ( 2 / 377 ) وبنحوه .
وذلك أنه صلى اللّه عليه وسلّم كان يواصل الصوم ويأمر أصحابه بالمواصلة ثم نهاهم عن الوصال ، فلما رأوه يواصل قالوا : يا رسول اللّه ، نهيتنا عن الوصال ونراك تواصل .
فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « لست كأحدكم » . وسمى بعضهم هذا المقام ، أعني ترك الطعام والشراب مدة تزيد على مدة الصيام من غير فاصل مفطر مع اشتغال من هذه الحالة حالته باللّه تعالى بأن يرجع إلى شهود الحق تعالى ، ولا يلتفت إلى الأغيار أصلا ، وتكون التجليات القدسية واردة على قلبه بحيث لا يلتفت إلى ما سواها بمقام . وانظر : كشف الأسرار ( ص 213 ) بتحقيقنا .
وقال سيدي محمد وفا في المعاريج : وأخبر صلى اللّه عليه وسلّم عن معراج آخر روحاني ، فقال لما سئل عن نهيه عن الوصال ، فقيل له :
« ألست تواصل يا رسول اللّه ؟ فقال : إني لست كأحدكم - أو قال : كهيئتكم - إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » .