قلنا : ذلك من جهة العادة ، ومجعول في الحديد والسلاح ، وليس السلامة والظفر في السلاح صفة نفس ؛ لأنّا نقول : لو لم يخلق القطع عند الضربة بالسيف ؛ لم يقطع السيف بما هو سيف ، ولو لم يخلق الموت عند وجود الجراح ؛ لم يمت العدو ، إذ قد وجدنا في العادة مجروحين يعيشون ، ومضروبا باللطمة يموت ، وأخر يموت بغير ضرب ؛ فصح أن الموت خلق للّه لا بنفس الضرب .
وكذلك نجد سيفا واحدا يضرب به في وقت فلا يقطع ، ويضرب به في وقت أخر فيقطع ، فلو كان القطع له صفة نفس ؛ لما تبدلت في وقت دون وقت ، ولو كان عدم القطع صفة نفس له لم يقطع به أبدا ؛ فصح أن القتل والقطع والوقاية خلق اللّه وفعل له .
وكذلك نقول في الضارب ، فلا فعل لمخلوق ولا تأثير ، وقد نجد الموضع المخوف يجوزه من لا عدة له ؛ فيسلم ، ويجوزه صاحب السلاح ؛ فيهلك ، وقد نجد الجماعة الواحدة تقاتل العدو ؛ فيقتل أصحاب السلاح لأجل محاربتهم ، ويكون سلاحه سبب هلاكهم ، ويسلم من لا سلاح له لكونه غير مخوف ، ويكون عدم سلاحه سبب سلامته .
وقد انعكست المنفعة مضرة ، وضدها منفعة ؛ وهذا جار أبدا ، فصح بالبرهان أن اللّه هو الذي يدفع الشر ، ويقي كل ماهية من البأس ، ويحفظ الذوات الممكنة كلها ؛ فهو السلاح ، وإخلاص الاعتماد عليه هو النجاح ، ولا خير إلا منه وبه ، ولا شر إلا له وعنه ، فإليه يجب الاستناد والتضرع ، وله يصح الدعاء والتضرع ، وهو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، وغيره لا يجب ولا يستجيب .
فإن قيل : قد نجد من يدعو ويسأل الحاجة ؛ ولا تقضى ولم تظهر الإجابة ؟
قلنا : اللّه قد وعد بالإجابة ، ووعده حق ، ولكن لم يعين الزمان ، ولا عين الحاجة ، وإنما وعد بالإجابة قطعا ، فإن لم تظهر إجابة الداعي في الوقت ، فتظهر في زمان آخر ، ويتأخر زمان الإجابة أو يتقدم ، أو لم يكن الدعاء بإخلاص ويشوبه الشرك الخفي ، أو الضعف في الإخلاص ، واللبس في تحرير القصد ، أو يكون العبد يسأل في حاجة يظن أنها منفعة له ونعمة ، ويعلم اللّه منها ضد ذلك ، فلو أجابه في تلك الحالة أو الحاجة بعينها لكانت عليه نقمة وشرّا ، فدفعها عنه ، وأجابه بدعائه .
إذ الدعاء للّه يستدعي خيره ونعمته وإحسانه ، والعبد الحادث عاجز عن إدراك مصالحه وكشف عواقب الأمور ، والقديم سبحانه الكريم العالم بالخيرات النافعة ، لمّا رأى عبده قد دعاه بالخير والإحسان ، وعجز عن معرفة ما يصلح به من أنواع الخير ؛ أجابه بالخير اللائق به ، والنعمة النافعة له ، وأرشده فيما عجز عنه ، إذ لو أجابه بعين ما دعاه فيه ، وهو يعلم أن
رسائل ابن سبعين — صفحة 164
مساهمون: ابن سبعين
ص١٦٤