قوله رضي اللّه عنه : ( والدعاء بالإخلاص سلاح ) .
الدعاء : هو النداء ، تقول : دعوت فلانا بمعنى ناديته ، وتقول : الدعاء : هو العبادة ؛ لقوله تعالى :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي
[ غافر :
60 ] الآية ، وتقول الدعاء إذا كان اللّه تعالى هو النداء بالمسألة ، والتضرع والطلب لإحسانه ونعمه .
والإخلاص : هو تحرير الشيء من الإشابات ؛ كما تقول : أخلصني فلان وده ، بمعنى أن وده محرر من الإشابة ، ونقول : الإخلاص : هو تحرير القصد من الإشابات والوسائط .
والسلاح : هو العدة التي يعتمد عليها في نيل المآرب ، ونقول : السلاح آلة يستعان بها في تحصيل المطالب ، ونقول : السلاح آلة أو عدة يستجلب بها الملائم ، ويدفع بها المنافر ، ويحفظ بها الحامل لها نفسه وجملته .
ولمّا كان اللّه فاعل كل شيء ، وبيده ملكوت كل شيء ، فلا شيء يبقى إلا وهو فاعله ، ولا خير يرجى إلا وهو فاعله ؛ فهو الضار النافع ، فلا شيء يدفع إلا وهو دافعه ، ولا شيء يجذب إلا وهو معطيه ومانحه ، ولا حافظ للنفس المحفوظة إلا وهو ؛ ولذلك جعله سلاحا وشبهه بالسلاح .
ولمّا كانت السلاح عند العامة في الظاهر يعتمدون عليها في دفع العداوة ، والوقاية من الشر وفي استجلاب المنافع والخيرات الملائمة ، ويحفظون بها ذواتهم من الضرر والبأس ضرب لهم بذلك مثلا ، وقربه لأفهامهم بالعرف الجاري في عاداتهم في مواطن الخوف إلا السلام ؛ فنبههم ؟ ؟ ؟ على الإخلاص والاعتماد عليه في جميع ما يخاف أو يرجي ، إذ هو الدافع للشر حقيقة ، والمانح للخير ، والحافظ لذات العبد من كل الجهات ، وهو الذي لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، فهو عدة المؤمن وسلاحه ، وإليه استناده ، وعليه اعتماده ، إذ لا غيره ينفع ، ولا سواه يدفع .
فإن وجدنا السلاح في الظاهر مثل السيف والرمح ، وما أشبه ذلك يدفع به العداوة ويحارب به ، وقد يسفر ويقتل ، وقد يمنع من بلوغ غرضه ، ويدفع شره ، ويظهر تأثير الحديد والعدة في دفع العدو ، وقتله به ؛ فذلك يرجع إلى اللّه بالضرورة ، وهو له حقيقة وللحديد مجازا .
فإن قيل : كيف هو مجازا ، ونحن نشاهد صاحب السلاح يسلم بمحاربة عدوه ، ويفني نفسه به وماله ، وقد يظفر بعدوه ويقتله ، ومن لا سلاح له يظفر به وينتقم منه ، وهذا تأثير ظاهر ؟