تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
قلنا : هذا قريب من اللّه ، وهذا بعيد منه ، نقول : الولي عرف بذلك الاتصال ، وشاهد استحقاق الحق له ، وغيره جهل ذلك ؛ فكان بعد هذا من جهة الجهل لا من جهة الوجود ، وقرب هذا من جهة العلم والوجود معا ، فهذا وجد ماهيته ، وسمعه وبصره معا للّه وبه وعنده ، وشهد الحق بالحق ، وهذا ادعى لذاته وجودا وسمعا وبصرا ؛ فادعى ما ليس له وكان بعده بحسب ذلك ، وكان قرب الولي بحسب ذلك . وكان هذا منعما وحاضرا وشاهدا وكاملا وسعيدا ، وهذا الآخر بالعكس ، والحق بالقرب معهما على حالة واحدة ، وهذا بعيد من حيث غلطه ، وانتكس بذلك الغلط وشقي . فإن قيل : ما الفائدة في قول : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به » ؟ قلنا : أزال الغلط فشاهد أن الحق سمعه وبصره ، وإنه لم يزل كذلك ، ولا يزال كذلك مع كل ممكن ؛ فكان التقديم أو التأخير من حيث العبد وعنده ، فاعلم ، لا بد من حيث الحق ، ومن حيث الغلط والجهل ، لا من حيث الوجود حقيقة . فإذا القرب ذاتي ، والبعد عرضي ، والغلط في الضمير يحجب الإنسان عن حقيقته فيدعي وجود اللّه لنفسه ، فيكون في الأمانة من حيث أخذه ما ليس له ، فلا عداوة ولا مغايرة إلا في خبر الغالط ، والحق : هو حقيقة كل شيء ، ووجود كل شيء بالوجه الذي ذكرناه ، وهو كذلك دائما ، فلا عداوة إلا بالجهل ، فإذا ارتفع الجهل ؛ ظهر اتفاق الوجود ووحدته ، وهذا هو الصلح الذي يرد الأضداد والأغيار شيئا واحدا ، ويزيل الشتات ، ويعلم بعد زواله إنه لم تكن قط عداوة ، ولا بغض ، فصار الصلح زوال الغلط ، ورفع الإضافة ، فاعلم ذلك . فهذه المسألة مطبقة على قوله : ( والعلم للعلو علامة ) ؛ ولذلك ساق بعدها : ( والسلم للعدو سلامة ) ؛ لأن العلم يرفع الغلط الذي أوجب العداوة ، فيظهر الاتفاق والاتحاد ، والصلح حقيقة ذاتية في كل ماهية بما هي ماهية ، فاعلم ذلك .
هامش
أو بالصفات : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » . أو بالأفعال : « افعل ما شئت مغفور لك » ، والجمع بينهم كمال لا يدرك ، والنبوة اللدنية والرسالة الدينية سارية في أعماق الروحانية بدرجة الجلالة مع الهوية السارية ، واللّه عليم بذات الصدور ، وإذا فهم هذا الخطاب علم الفرق بين الموسوية والخضرية ، واللّه ولي التوفيق .