تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
المتبع لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر ولا يبطش إلا بالشرع ، فالشرع سمعه وبصره ويداه ورجلاه ، والحق ذات الشارع ، فالحق هو سمع المتبع وبصره ويداه ورجلاه . وهذا يشهد له قوله صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربه : « لا يتقرب العبد إليّ بأفضل مما افترضته عليه ، ثم لا يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » « 1 » الحديث . فإذا كان الحق هو جملة الإنسان من حيث استحقاقه له ، والحق واحد ، فالإنسان واحد فقد ارتفعت الأضداد والأغيار ، واتفق المختلفون ، وزالت العداوة بالضرورة ، وأيضا العبد ممكن الوجود ، والموجودات المفعولات كلها ممكنة الوجود ، وهي متساوية في ذلك ، ولا يكون للممكن الوجود سمع وبصر وعقل من حيث هو ممكن ، ولا وجود له بالجملة إلا ما أعطاه الواجب ، وما أعطاه الواجب لا يفارقه ولا ينفصل عنه . فإذا الواجب سمع العبد الممكن وبصره ويداه ورجلاه ، ووجوده بالجملة ، والعالم في إمكانه واحد ؛ فاللّه هو سمع كل سميع من الممكنات ، وبصر كل بصير ، ووجود كل موجود منها ، فلا تقل إذا هو سمع الولي وبصره في وقت استحق الولاية ، ولم يكن قبل استحقاقها كذلك ، ولا تقل هو في وجود الولي ماهية وحقيقة ، وفي غيره من الممكنات مجازا ؛ فيكون وجود اللّه مع الممكنات في بعض حقيقة ، وفي بعض مجازا ، تعالى اللّه أن يختلف وجوده أو يتنوع . بل هو المقوم لماهية الولي وغير الولي ، وهو ماهية كل ماهية من حيث استحقاقه للموجودات استحقاقا واحدا ، فإذا كان هو ماهية الماهيات ، فهو سمع الأسماع كلها ، وبصر الأبصار ، وهو كذلك دائما ، إذ لا يمكن أن يكون وجوده مع الممكن في وقت مقوما ، وفي وقت منفصلا ، ويكون الممكن مستقلا بذاته في وقت ، ومفتقرا في آخر ؛ بل هو مفتقر على الدوام ، واللّه هو المقوم لوجودها على الدوام والمتمم . فإذا بطل كونه يكون سمع الرجل في وقت دون وقت ، وكذلك بصره ؛ بل هو وجود كل موجود دائما ، فإن قيل : ما الفرق بين الولي وغيره إذا ؟ « 2 »
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) قال سيدي محمد وفا في النفائس : اعلم أن القطبية على قسمين : قطبية في العلوم اللدنية ، وقطبية في العلوم الدينية ، والفرق بينهما أن الأولى علوم تعريفية ، والأخرى تكليفية ، وكل واحد ينقسم إلى ثلاثة مراتب : الولاية ، ثم النبوة ، ثم الرسالة ، وفي اللدنية بالعكس ؛ لأن الأولى في الديانات : من تولى اللّه بأوامره ونواهيه ، وفي اللدنية : الولي من تولاه اللّه . أما بالذات : « فإذا أحببته كنت هو » .