تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
اجتهاده وبحثه وعلومه العادية ، ويتصرف لقبول ما يلقى إليه الشرع ؛ فيخرج عن إدراكه ، ويأخذ إدراك الشريعة ، ويترك علمه ، ويأخذ علم الشارع ، ويترك الجسماني وتصريف جوارحه في المكاسب العرضية والبطش في الأمور النفسانية العاجلة ، وينصرف إلى عبادة اللّه . ويصرف جوارحه في طاعة اللّه من الركوع والسجود ، وإيجاد الراحة بالإعطاء باليمين ، والسعي إلى المساجد بالأقدام ، والجهاد ، وغير ذلك ، وينصرف في المتوسط إلى ما يحمده الشرع ، ويرعاه اللّه تعالى ، مثال ذلك : السمع الذي كان يوصل له الألحان والنغمات الحسنة ؛ ينصرف إلى سمع كتاب اللّه تعالى الذي هو كلامه ، وسمع حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسمع المواعظ والأمور المذكرة باللّه عز وجلّ . والبصر الذي كان يبصر به المتلذذات ، ويتنزّه في سطاعة ألوانها وملاحة بهجتها ؛ يرجع ينظر اختلافها في أنفسها ، وتبدلها وقلة ثبوتها ؛ فيستدل على موجدها وخالقها ، فترجع القوى الجسمانية والروحانية والمتوسطة منقادة لأمر اللّه ، والدخول تحت أحكامه والانصراف لطاعته ، وتتفق على ذلك اتفاقا واحدا ، ودخولها في أحكام اللّه دخولا واحدا . ويكون الصلح المذكور لاجتماع الأضداد والأغيار الموجودة في الإنسان على قبول أمر اللّه ، وتتفق في ذلك اتفاقا ، فيزول شغبها وتضادها وعداوتها ، إذ كان قبل ذلك كل نوع يميل إلى طور من اللذات والمطالب ؛ لأن طلب الجسم ، مضاد لطلب العقل ، والروحاني ضد الجسماني ؛ فكأن الإنسان مشتبه الماهية ، فصار متفقا ، ووقع الصلح بين أضداده ، وتآلفت أجزاؤه ، وتوحدت ماهيته بدخولها تحت أمر اللّه ، وانصرافها لمطلوب واحد ، وأدى ذلك للجمع والاتفاق والاستقامة . وهذا صلاح عظيم ، وصلح محمود ، ويفسر هذا قوله رضي اللّه عنه في « الرسالة الرضوانية » : وقل لجملتك : يا مركبة من الخير والشر ، والمفارق وغير المفارق ، والسعيد والشقي ، هاوديني ، وإن لم تفعلي نقابلك بطبيعة الخير ، ونتدرع بالمفارق ، ونظفر بك بأمر السعيد ، فإني ناجيته . فهذا معنى قوله رضي اللّه عنه : ( والسلم للعدو سلامة ، والصلح مع جملتك صلاح ) . وأيضا إذا صار العقل داخلا تحت نظر أمر الشارع ، فلا يعقل إلا به ، والبصر لا يبصر إلا به ، والسمع لا يسمع إلا به ، والجسم لا يبطش ولا يتصرف إلا به ؛ فقد ذهب كل نوع في ذاته ، وثبت بالشارع عليه السّلام ، والشارع عليه السّلام هو لسان الحق وبصره لأنه باللّه ينظر ، وبه ينطق وعنه ، وذاته للّه جملة ، فذات المنقاد للشرع ترجع للّه بالضرورة ؛ لأنّا نقول :
رسائل ابن سبعين — صفحة 160 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي