الإطلاق من القيد الأول ؛ لأنه قال في الأول : ( والسلم للعدو ) ؛ فحض على الصلح إلا أنه قيد بلفظ العدو ، وأطلقه في الثاني بقوله : ( والصلح صلاح ) ، وتركه مطلقا ، ثم أكده من حيث حمده بقوله : ( صلاح ) .
فإن قيل : اللفظ الأول محرر في ذلك ، إذ الصلح لا يطلق إلا برفع العداوة ، ولا يقال إلا على العدو ، ولفظ العدو في الصلح يفهم منه أي عدو كان ، ويراد به النوع لا الشخص ، أو أحد لا بعينه ، ودخل في ذلك عموم الأعداء ، ومن ليس بعدو فلا يحتاج إلى الصلح معه ، فلا يفهم من العموم إلا عموم الأعداء ؛ وقد خلصه اللفظ الأول .
قلنا : فيه إشعار الزيادة ؛ لأن الصلح فيه معقول الصحبة والألفة ، ورفع العداوة معا ، وقد يكون في الناس من ليس بصاحب ولا مألوف ، وإن لم يكن عدوّا ، فيكون الصلح معه بمعنى الألفة والمودة ، وهذا فيه زيادة ظاهرة ، ويكون الإنسان المتخلق يألف عدوه وصديقه ، والمتوسط الموقوف بينهما ، ويحسن للجميع ، ويرد الكل إلى الصداقة والمودة ، وهذا محمود شرعا وعملا ، وفضل بين وصلاح جليّ ، وهو المراد بقوله : ( والصلح صلاح ) والصلاح : هو الفعل المحمود ، وهو الفعل المستحسن ، والصلاح : هو الطاعة ، والصالح : هو الطائع .
وأيضا قد يريد بقوله : ( العدو ) ، و ( الأعداء ) ؛ أضدادا موجودة في محل الإنسان الواحد من حيث هو إنسان مجموع من روحاني وجسماني ، والروحاني : مفارق في غاية البساطة ، والجسماني : مركب ، والمركب ضد البسيط ، وأيضا الإنسان حده هو الحي الناطق الميت ، والحي ضد الميت بالضرورة ، والإنسان مجموعهما أو مطلوب بانقياد جميعه إلى أمر اللّه والدخول تحت أحكام الشرع .
فإن الجسماني يطلب عالمه وخواصه اللائقة به مثل الشهوة من الأكل والشرب والنكاح واللباس الحسن ، وما أشبه ذلك ، والروحاني يطلب العلم والمعارف والبحث عن حقائق الأشياء ؛ فيتلذذ بإدراك الموجودات ، وبتفسير الأشياء المجملة بإخراج الأشياء المشكلة من إشكالها إلى التجلي والظهور المحض ، وقبول الأمور الكليات من جهة ما هي كليات ، وما أشبه ذلك ، والمتوسط يتلذذ بأشياء متوسطة مثل النغمات الحسنة ، والألحان وما أشبه ذلك .
فلمّا كان الإنسان مجموع هذه الأنواع ، ومقولا على هذه الجملة ، والشرع طالب له بالانقياد إلى اللّه بجملته ، احتاج أن يطلب أنواعه بالمهاودة وقواه الجسمانية والروحانية بالإذعان والخضوع وأضداده بالاتفاق ، والدخول تحت أمر اللّه ورسوله ، فيترك عقله
رسائل ابن سبعين — صفحة 159
مساهمون: ابن سبعين
ص١٥٩