عن مقام الرضا ، وانقطع عن التوحيد ، إذ هو في ملاحظة الغيرية ، ومكابدة الأضداد بآفة الانتصار ، والمقابلة ظاهرة في هذه الوجوه التي ذكرناها .
والموفي ليس بسالم فلا سلامة في الانتصار والمقابلة إلى العدو عند السعداء وأهل اللّه تعالى ، ولا سلامة في إبقاء العداوة ، فلم يبق من القسمة إلا إزالة عداوته بالتخلق والاحتمال والإحسان ، وذلك الإحسان يؤدي إلى انقلاب عداوته صحبة ، ومنافرته ألفة وهذا هو الصلح في قوله : ( والسلم للعدو سلامة ) .
فإنه قد سلم من أن يهلك أو يهلك ، وسلم من إشغال الوقت ، وملاحظة الأغيار ، وسلم من نقص الانتصار ، وشؤم الحظ النفساني ؛ فقد سلم دينه وطريقه ، وثبت كماله وتخلقه بالرحمانية المختصة بالسعداء ، والموجودة في الأولياء ؛ فقد سلم طريق سعادته ، وزالت العداوة والضدية من عدوه بالإحسان ، وأمن من مكره ؛ فقد سلم من خوفه في الدنيا ، وقد ثبتت سلامته : سلامة الدنيا والآخرة ، ونقل عدوه من المهالك ، وطريقة الأشقياء .
فقد سلم المتخلق بالإحسان نفسه وعدوه من آفات الدنيا والآخرة بصلحه وإحسانه ، وهذا تصريف عظيم ، وفضل عميم ، وحكمة بالغة .
وهي المراد من قوله :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
[ فصلت : 34 ] .
وأيضا الانتصار إذا قدرنا ظفر المنتصر بعدوه وهلكه ؛ قد تحدث له من أسباب المهالك أعداء كثيرة ، ويتسلسل الأمر ، وكذلك في أنسابه هو ؛ ويؤدى إلى فساد عظيم ، وهلك الفئتين ، وتضييع وقته ، وانقطاعه عن اللّه ، وهذا حرمان عظيم وشقاوة لا سلامة فيها ، ولو قدرنا العدو من غير دينه ، ويجب عليه زوال عداوته شرعا وقتاله .
قلنا : إن جذبه بالإحسان والحكمة والسياسة أحمد عند الشرع ، وأولى وأحب للّه ؛ لأنه أزال عداوته وجذبه للإسلام ، وكان رحيبا كريما ، متابعا لسنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه كان يجذب الناس للإحسان مثل جذبه للمؤلفة قلوبهم ، وكذلك بالاحتمال فإنه كان يغفر للمسيء له ، ويدعو له بالمغفرة ، وهذا خير عظيم ؛ فقد سلم المصطلح مع عدوه والمتخلق عليه من آفات الدنيا والآخرة ، وقرب من اللّه تعالى بالتخلق بأسمائه ، ومن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بتبعيته ، وهذه هي السلامة من كل الجهات ، والمراد بقوله : ( والسلم للعدو سلامة ) .
وقوله رضي اللّه عنه : ( والصلح مع جملتك صلاح )
. إمّا للتأكيد ؛ لأن السلم هو الصلح لغة ، فتكريره إمّا للتأكيد ، وإمّا جاء تكريره لفائدة