تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
والعدو : هو الضدّ المناقض للشيء بطبعه ووصفه ، والسلامة : هي الخلاص من الآفات ؛ لأنك تقول : سلم فلان من أعدائه بمعنى أنه تخلص من آفاتهم . وتقول : سلم فلان من المرض بمعنى أنه تخلص منه ، وخلص من آفاته التي هي الموت بعد أن أصابه وباشره المرض . وقد يكون ( سلم ) بمعنى أنه لم يصبه المرض مع كونه محله من حيث هو جسم وقابل له ، وتقول : سلم فلان من البحر بمعنى من آفات العدو بعد أن ركبه ، وإذا نظرنا العدو من حيث المضادة والمباينة في الكيف فهو يطلق على أنحاء . نقول : العداوة في الطبائع الأربع ، إذ كيفية الصفراء مضادّة للبلغم . ونقول العداوة في الأعراض ، إذ السواد ضد البياض ، وعدوه من حيث الضدية . وإذا نظرنا المضادة في الأشياء كلها ؛ يطول علينا الكلام فيها ، ويخرجنا عن المقصود من شرح المسألة ، فنقول : العداوة التي يريد هنا هي المشار إليها في عرف الشريعة ، وهي الضدية الواقعة بين الأشخاص الموجودين في النوع الواحد ، فإنك لا تقول السبع عدو فلان وتريد بذلك العداوة التي تورث مناقضة الشخص لشخص ؛ فإن عداوة السبع لزيد هي مثل عداوته لعمرو ، وهي عداوة النوع منه للنوع الإنساني مطلقا ، ولا هي عداوة المثل ؛ لأن الإنسان غير متفق معه في الكيف ، ومفضل عليه بالعقل ، وقاهره بالصنائع العقلية ، والفهم الإنساني من كل الجهات ، وغالبه بالذات ، فإن اتفق أن يقتل أسد إنسانا وقتا فإنما تلك غلبة بالعرض ، والإنسان غالبه الذات ، والعداوة لا تكون حقيقة إلا بين المثلين وفي المثلية ؛ إنما أراد العداوة من الإنسان ، مثل عداوة الدين ، وعداوة الحسد ، وما أشبه ذلك . ولمّا كان العدو يطلب القهر والانتقام والظفر والغلبة ، ولا يمنعه إلا هلاك عدوه ، أو ما قرب من الهلاك ؛ كان حتما على الإنسان العاقل زوال عداوته ، إذ العداوة توجب فوت الراحة ، وتؤدي إلى الهلك ، وذلك لا يحض عليه الشرع ولا العقل فلا بد من إزالتها إذا شرعا وعقلا ، وإزالتها لا تكون إلا بأحد الأمرين : إمّا بالمقابلة والانتصار ، وإمّا بالتخلق والاحتمال ، وإزالتها بالمقابلة والانتصار له آفات : أحدها : ركوب الخطر فإن مقابلة العدو ، العاقل فيه بين أمرين : إمّا أن يظفر ، أو يظفر به ، فإن ظفر ؛ فقد وقع الأذى والهلك ، وهذه آفة ظاهرة ، وإن ظفر به وانتقم منه أو أهلك ؛ فقد حرم المنتقم أو المهلك مقام العفو والرحمة ، وأقيم في الانتصار للنفس ، وترقية حظوظها ، وهذه آفة أكبر من الأولى . وإن توقف الأمر بينهما فقد شغلا الزمان بغير اللّه ، وفرطا في التوجه ، وبعد المنتصر