تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
شرط فيه ، والقرب من المقصود الأعظم إنما هو أيضا بحسب العلم به ؛ فإذا السعادة والرفعة في الآخرة العلم صورتها المقومة والمتممة . وكذلك الصوفي في سعادته ورفعته إنما هي بحسب معرفته باللّه ، وحبه فيه ، والفناء في تحقيق حقه ، والتخلق بأسمائه ، وذلك كله يرجع إلى العلم ؛ لأنه لم يحبه إلا وقد علم جلاله وكمال صفاته كما تقدم ، ولم يفن فيه إلا وقد رجحه على نفسه من حيث رضي تلف نفسه فيه . ولوه علمه بجلاله وخساستها بالإضافة إلى باريها لم يفعل ذلك ، وأيضا التخلق بأسمائه يحتاج إلى العلم بالاسم ، والمرتبة الموضوعة له ، ويحضر أجزاء ماهية المرتبة وتصوره وتصديقه ، وينصرف إليها ، ويدور عليها بعلمه وتخلقه ، ولا يشذ عليه من أجزاء الاسم شيء حتى يتجوهر به ، ويتصف بالمرتبة حتى تصير له ذاتا ، وحينئذ يشرع في الانتقال إلى اسم ثان ، وكذلك يلزم في كل اسم ؛ فإذا الصوفي لا كمال له ولا سعادة ولا شرف في الدنيا والآخرة إلا بقدر علمه باللّه وبأسمائه والتخلق بها . فإذا العلم سبب رفعته وأصل فيها . فإنّا نقول : أعلم الصوفية باللّه وبأسمائه أشدهم حبّا فيه وتعظيما له ، إذ المحبة على قدر صفات المحبوب تكون قوتها ، وأقواهم محبة في اللّه أشدهم فناء فيه ، وتخلقا بأسمائه ، وأشدهم تجوهرا بأسمائه ، وفناء في حقيقته أرفعهم وأسعدهم وأكملهم وأعلاهم درجة ، فالعلم للعلو علامة ، وسبب الشرف والسلامة . وكذلك نقول في المحقق : فإن المحقق حقق أن الجوهر المستحق لوجوده ووجود الممكنات ، وجوده عنده أظهر من الوجود الطبيعي له ، وألزم من الضرورة ، واستقل واستغنى ، وانقطع شوقه وطلبه ، وشاهد الحق بالحق عنده ، فخرج من ذل الوسائط ، واعتز ووجد كماله عنده بذاته في ذاته ؛ فاستحق بذلك الرفعة والعلو الذي لا غاية تقدر له والكمال الذي لا إضافة فيه . ولا يقال بالكمالات المذكورة عند الصوفية والحكماء ؛ بل هو الكمال العزيز الذي لا يدرك له كنه ، ولا تحصره ماهية ، وهو العلي العظيم ، فاعلم ذلك . فقد ظهر لك إن العلم للعلو علامة في الدنيا والآخرة ، وفي كل صنف من أصناف الكمال ، وفي كل طريقة ، وسيادة النبوة والملائكة ، وغير ذلك إنما هي بالعلم ، فاعلم ذلك .

وقوله رضي اللّه عنه : ( والسلم للعدو سلامة )

. السلم : هو الصلح لغة ، قال اللّه تعالى :
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
[ البقرة : 208 ] .