تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
الجسم إذ جسمه جسم حيوان ميت بالطبع ، وهما متماثلان في ذلك ، ولا وجدناه من جهة التركيب الخاص والهيئة إذ ذلك يرجع إلى كيفيته ، والكيفية حال قائم بالجسم لا اعتبار له بالكمال ؛ فصحّ أنه لم يفضل عليه إلا بالنطق ، والنطق علم كما تقدم حدّه ، فكأن علمه سبب علوه وعلامته . وكذلك نقول في نوع الإنسانية : لأنّا نجد نوع الإنسانية واحدا ، وهو يفضل بعضه بعضا ، ويعظم بعضه ، ويرتفع على بعض ، ويتقدم بعضه على بعض ، ويحكم المتقدم من الناس على غيره ممن يماثله في الإنسانية ، ولو نظرنا ذلك التقدم والحكم وجدناه راجعا إلى الخطة والمرتبة القاهرة المرتفعة على من دونها . ولو نظرنا تلك الخطة ؛ وجدناها من قبيل العمل والأوصاف الفاضلة ، والعلم شرط في العمل والأوصاف المذكورة ؛ فإذا العلم أصل تلك الخطة والحكم والتقدم ، وشرط فيها ، والشرط هو الذي يرتفع المشروط بارتفاعه ، ولو ارتفع العلم ارتفعت تلك الخطة والتقدم ، فإذا العلم هو الذي يرتفع المشروط بارتفاعه ، ولو ارتفع العلم ؛ ارتفعت تلك الخطة والتقدم . فإذا العلم : هو الذي كانت به الرفعة والشرف في الإنسان على أمثاله . فالعلم هو سبب العلو وعلامته ، كما قال ، فلو قدرنا الرفعة والمرتبة الحاكمة بالسيف والمال كما هي في السلطان ؛ فنقول : أصلها وحافظها ومدبرها إذ به يدبر أرباب دولته ، وبه يمشي سياسته نحو الصواب ، فلولا ما يعلم الضد من الصديق ؛ لكان يقتل الصديق ، ويترك الضد ، ويؤدي إلى فساد خطته وملكه ، وكذلك بالعلم يدبر الرعية ويرتفع اختلافهم ويقمع عدوهم . وبالجملة الملك يدبر بالحكمة ، والحكمة : هي العلم والعدل ووضع أي شيء في محله ، فإذا كان كذلك ، فكل خطة ترفع الإنسان على أقرانه ، وتقدمه على أمثاله ، فالعلم صورة مقومة لها ومتممة ؛ فهذه سعادة الإنسان في الدنيا ، وتصرفه ورفعته لا وجود لهما إلا بالعلم ، وكذلك فصله من الناطق كما تقدم ، فالعلم للعلو علامة . وأمّا سعادته في الدار الآخرة فلا يتوصل إليها إلا بالعمل ، والعلم شرط في العمل الصالح ؛ فإذا لا سعادة إلا بالعلم ، وأيضا السعادة في الآخرة والكمال والشرف لا يكون إلا بحسب القرب من اللّه تعالى ، وبقدر ما يقطع الحكيم من الوسائط التي بينه وبينه ، والقرب منه لا يكون إلا بعلم ما يجب له ، ويجوز عليه ويستحيل في حقه ، والوسائط لا يقطعها إلا بعد ما يعلمها ويعمل على الخلاص منها وجوازها ، فإذا العمل الذي يقطع به الوسائط