استدعى صفاته إلى محله ، وأحضره عنده بالمراقبة والاستيلاء وصرف ماهيته إليه ؛ رحمه وهو بحضرته ومشاهدته ، وإعطاء كماله ، وإفادة سعادته .
إذ السعادة عبارة عن رؤيته ورضوانه ، وهذا هو معنى قوله رضي اللّه عنه عنه : ( والواصل رحمه مهما دعا اللّه رحمه ) .
وقوله رضي اللّه عنه : ( والعلم للعلو علامة )
. العلو : هو الرفعة ، والعالي : هو المرتفع ، والعلامة : هي الدلالة على الشيء ، كما تقول :
علامة الماء في الصحراء : هي وجود الطير ، وعلامته الركيزة الواقعة عليه ، والحجارة المركبة بعضها على بعض الذي جعلت ؛ ليستدل بها على الماء ، كما تقول : علامة الإيمان :
مواظبة المسجد للصلوات .
وعلامة المؤمن كما ورد في الأثر : « إذا حدث لا يكذب ، وإذا أؤتمن لا يخون » « 1 » الحديث .
وبالجملة : العلامة : هي التي بها يتعين الشيء المجهول ، أو المشكوك فيه ، أو المظنون ، ويظهر ذاته وحقيقته .
ولمّا كان العلم سبب الرفعة والشرف والكمال قال فيه : ( والعلم للعلو علامة ) ؛ معناه حيث ظهر العلم كانت الرفعة والشرف ، ولمّا كان العلم صفة كمال وأجل صفات الكمال وأخصها وأعمها تعلقا قال : ( والعلم للعلو علامة ) .
وأيضا لمّا كان الإنسان حده هو الحيوان الناطق ، وفصله من الحيوان هو النطق لا غير ؛ فإن الحيوان يشاركه في الحياة الطبيعية ، وفي الحواس الخمس ، وفي المشترك وفي القوة الروحانية ؛ مثل الخيال والوهم وغير ذلك ، وينفصل عنه هو بالنطق خاصة ، والنطق : هو إشارة إلى المكونات بالتصوير والتصديق ، هذا حدّه عند القدماء ، وهذا هو العلم .
والنطق علم واقع على الخفيات بالرؤية والفكر ؛ ولذلك كان علامة العلو ، إذ هو الذي ينفصل به عن جنس الحيوان ، ويرتفع قدره عليه ويشرف ، وهو الذي أوجب تفضيل النوع على جنسه ، فاعلم ذلك .
وذلك أن العلة ارتفاع الشيء على أقرانه ، وتقدمه عليهم بالشرف أو المرتبة ؛ لأنّا نظرنا الإنسان يماثل الحيوان في الحيوانية ، ويشاركه فيما ذكرنا من قبل ، وينفصل عنه ويفضل عليه ، ويرتفع قدره على قدر الحيوان ، ونظرنا ذلك الذي ارتفع به وجدناه غير
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 21 ) ، ومسلم ( 1 / 78 ) بنحوه .