تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] . ولا يفهم من هذه المعية معية الزمان ، ولا معية المكان ، ولا معية المرتبة ، ولا معية الجنس ؛ وإنما يفهم منها التخصيص والاعتناء والقرب إذ قد جعل صفته ذات العبد المخصوص ، وطهره من صفات الشيطان والنفس ونقص العبودية ، واستولى عليه هو ، وجعله مجموع أسمائه ، واستحقه من كل الجهات ، وجعل ذاته آنيته وكأنه هو . لأنّا نقول : الإحسان صفة الحق ، وهي ذات العبد المحسن ، فذات العبد صفة اللّه ، والصفة ليست بزائدة على الموصوف ، والموصوف هو اللّه ، فذات المحسن هو اللّه ، ويفهم هذا من قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] . وقوله :
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
[ يوسف : 21 ] ، فافهم ذلك . وأيضا الرحم منهم الأهل القريب للإنسان ، والآباء لم يكونوا أهلا قريبا للإنسان إلا لكونهم سبب وجوده ، وهم في السببية على جهة المجاز ، خاصة والرحم القريب حقيقة : هو اللّه تعالى ، وهو السبب في وجوده ، ووجود آبائه ، ووجود كل شيء ، وهو السبب الذاتي لماهية العبد الممكن ، وهو ألزم إليه من كل شيء ، وأقرب من كل قريب ، إذ لو قدّرنا ارتفاعه ؛ ارتفع وجود العبد فذهب ، وقد يقدّر ارتفاع الآباء ، والأهل الأقارب ، وتبقى ماهيته على ما هي عليه ، ولا ينقص منها شيء ، وهذا موجود في العالم أبدا ، فهم إذا سبب عرضي ، وأهل بالعرض . وكذلك القول في الجار ، وغير ذلك ؛ فالرحم حقيقة : هو اللّه تعالى ، وكذلك الجار حقيقة : هو هو ، إذ لو قدرنا مفارقة إيجاده من العبد لم يوجد ، وهو جار ؛ لأنه يلازمه من كل الجهات حتى إن كل قوة في الإنسان ، وكل عضو روحاني أو جسماني اللّه ؛ هو المقوم له والمتمم ، وهو الظاهر في جميعه ، والموجود في وجوده حتى إنه يستحقه كما تقدم ، وبه يتأنس ضمير العارف ، وله يلحظ ، وهو الذي يبصر ، ومعه يحضر ، وهو الحاضر في حضوره ومعه وبعده ، وهو يلازمه ملازمة ذاتية ، والأهل الذين يتأنس بهم الجاهل . وكذلك الجيران هو مفارق لهم في أكثر أزمنته ، ويذهب عنهم بالسفر والموت ، وغير ذلك . وقد تخلق له فيهم العداوة والضدية ، وغير ذلك ، ويكونون أبعد الناس إليه ، والحق تعالى يستحيل مفارقته إليه ، وكذلك بعده عنه محال ، وكذلك التضاد ؛ لأنه يصله بخيره وفضله وإحسانه ، ويؤنسه في سفره وحضره ، وينصره في اضطراره إذا لجأ إليه ، وهو معه أينما كان من المراتب والأحوال والعوالم كلها ، فإذا وصله العبد بطاعته ، والتخلق بأسمائه ، وبمعرفته والأدب معه ، وبقطع كل ما سواه ، وزوال الغيرية من قلبه وجملته ، فدعاه بمعنى