تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
اللّه ، والقريب من اللّه مرحوم . وأيضا نقول : العالم بأسره متماثل في افتقاره واضطراره وحدوثه وانفعاله ، والمثل لا يعدم فيه ما هو موجود في مثله ، والانفعال والاضطرار موجود في كل واحد من المخلوقات ، والمنفعل من صفة نفسه لا يكون فاعلا بوجه ، والعالم منفعل من صفة نفسه ، فالعالم ليس فيه فاعل ، ولا يكون فاعلا بوجه ، فالعالم كله واحد في الافتقار والاضطرار ، والحق هو الغني الفاعل فيه على الإطلاق ، فإن الحادث لا يفعل في الحادث ، والمضطر لا يفعل في المضطر ، ولا يتعدى شيء من مخلوق إلى مخلوق ، والحق يتعدى خيره وفضله ورحمته إلى الموجودات كلها . فإذا رأينا المحسن الذي يتعدى خيره ، والرحيم الذي تتعدى رحمته ، علمنا إن ذلك ليس هو من ذاته بما هي مفعولة ومضطرة ؛ لكون المنفعل لا يكون فاعلا كما تقدم ، والفعل لا يفعل في مثله ، فإذا لم يكن من ذاته ؛ فصحّ إنه من الحق تعالى ، إذ هو الفاعل على الإطلاق والمحسن والرحيم على الإطلاق ، وإنما جرى ذلك محمل العبد على جهة المجاز ، وهو منه حقيقة . فإذا كل محسن يظهر منه الخير فيتعدى فضله صفة الإحسان القائمة به هي للّه ، وإن كانت جارية على محل العبد ، فهي فيه بالعرض ، وهي في اللّه بالذات ، فالعبد موضوع لها وكأنه كرسي لتصريف اللّه ، وقد سلبه عن ذاته من حيث سلب عنه صفات البشر التي هي المنع والشر والبخل ، ومنحه هو صفاته ، ووهبه إياها ، وجعلها ذاتا له ، وأقام فيه كرمه وإحسانه وخيره . فإذا العبد المحسن الرحيم ذاته الإحسان والرحمة ، والإحسان والرحمة صفة الحق ، والصفة لا تفارق الموصوف ، والموصوف : هو اللّه ، والعبد المحسن الرحيم لا يفارق الحق ، ومن لا يفارق الحق هو معه ، ومن كان مع الحق : هو مرحوم وكامل وسعيد ، فالواصل رحمه مرحوم وكامل وسعيد ؛ لأنّا نقول : الواصل رحمه تعدى خيره ورحمته ، والمتعدي خيره ليس هو العبد الحادث ؛ لما تقدم إن المثل لا يفعل في مثله ؛ فإذا هو اللّه حقيقة . وإذا ظهرت صفات الحق في العبد ؛ فقد اصطفاه وشرفه وكمله وجعله خليفته ، وكل مكمل ومصطفى مرحوم ، فالوصل رحمه مرحوم . وهذا يفهم من قول سيدنا رضي اللّه عنه في « لوح الأصالة » قال : مهما سرى حكم من شيء إلى شيء فمنه لا من ذلك الشيء ، ويفهم من قوله تعالى :
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[ العنكبوت : 69 ] .