فإذا الجهل والمخالفة أصلهما حب الدنيا ، والإمساك بها ، ووصلة الرحم بالإحسان ، وإيجاد الراحة فيه ، وشهادة النفس ، وخروج الدنيا من اليد ، والنسبة الإلهية .
فأمّا زهادة النفس بها فظاهرة ؛ فإن المحسن بماله ، وإعطاءه لغيره دل على زهادته في تلك الأعيان التي أعطاها ، وكذلك يلزم في خطواته التي زار إلى أهله ، وزمانه الذي امتنع فيه من كسب الدنيا ، أو سعيه في مصالحه ؛ دل على زهده في ذلك الوقت ، وهذا يلزم في فعل المعروف كله .
وأمّا النسبة الإلهية ، والشبه فظاهر أيضا ؛ فإن الحق يتعدى خيره ورحمته ، ويلطف بالمنكسر ، ويجيب المضطر من حيث يعطى المحتاج من أقاربه ، ويشبع الجيعان ؛ فهذا شبه ظاهر ، ونسبة واقعة ، وأيضا هو زاهد من حيث أنه أعطى ما بيده إلى غيره ؛ فهو زاهد في الدنيا ، والدنيا أصل البعد من اللّه ، ورأس كل خطيئة كما جاء في الحديث ؛ فالزاهد فيها مقرّب إلى اللّه ، والمقرّب إلى اللّه مرحوم ؛ لأنك تقول : الدنيا أصل البعد ، والتارك لأصل البعد آخذ لذات القرب ، والآخذ ذات القرب قريب .
وكذلك تقول : المخالفة أصلها الشهوات ، والزاهد في الدنيا تارك للشهوات ، ونيل الشهوات هو المخالفة فترك الشهوات طاعة ، فالتارك للشهوات طائع للّه ، والطائع للّه قريب منه ، والقريب من اللّه مرحوم ؛ فالواصل رحمه مرحوم بالقياس الذي ذكرنا .
فإنك تقول : الواصل رحمه ؛ تارك ماله وراحته من حيث أعطاها ، والتارك ماله وراحته زاهد في الدنيا بمعنى رافض لها ، والدنيا رأس كل خطيئة ، ورافض رأس الخطايا طائع للّه ، والطائع للّه مرحوم ، وأيضا المؤمن لا يفعل ذلك المعروف إلا من أجل اللّه ، وابتغاء مرضاته وطلبه لمرضاة اللّه ، وفعل المعروف من أجله دل على أنه يحبه ، وحبه له دل على أنه قد علم جلاله ، وكمال صفاته ولذلك حبه على كل شيء ، وعلمه بجلال اللّه ، وكمال صفاته يضاد الجهل .
وقد قلنا أن البعد أصله الجهل ، فالقرب أصله العلم ، فالعالم باللّه قريب منه ، فالواصل رحمه قريب من اللّه مرحوم ؛ لأنك تقول : وصلة الرحم من أجل اللّه ، وابتغاء مرضاته طاعة للّه ، وابتغاء طاعة اللّه ومرضاته لم تقع إلا لأجل العلم به ، فالعالم باللّه قريب منه ، فالواصل رحمه قريب من اللّه ، والقريب من اللّه مرحوم ، فالواصل رحمه مهما دعا اللّه رحمه .
وكذلك القول في الشبه ؛ لأنك تقول : الواصل رحمه كريم ورحيم ورؤوف ومحسن ، واللّه كريم ورحيم ورؤوف ومحسن ، فالواصل رحمه يشبه ربه في الكرم والرأفة والإحسان والرحمة ، والشبيه بالشيء قريب منه ، فالواصل رحمه شبيه باللّه ، فالواصل رحمه قريب من
رسائل ابن سبعين — صفحة 151
مساهمون: ابن سبعين
ص١٥١