تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الأذى ، وترك الأذى ، ووجود الراحة بقدر الطاقة ، فأولو الأرحام منهم من يبعد ، ومنهم من يقرب ، مثال ذلك : الأب أقرب من العم ، والمسلم أقرب من الكافر ، والإنسان المطلق أقرب من الحيوان ، والحيوان أقرب من النبات ، وكذلك تطلع بالتركيب إلى أقصى رتبة منك وأبعدها ، وتنزل بالتحليل إليك إلى الوجود القائم بك . وقد جاء في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنه قال : « في كل كبد حرّى أجر » « 1 » . والحيوان ذو كبد حرى رطبة ، ففعل المعروف في الحيوان ، والإحسان إليه ، وإيجاد الراحة له فيهما الثواب ، والثواب هو الجزاء من الحق تعالى ، وهو من الأشياء المقرّبة له ؛ فإذا فعل المعروف في الحيوان يقرّب إلى اللّه ، ويلزم من ذلك أن يكون بالأحرى في الحيوان أعني : الإنسان وبالأحرى في المسلم ، وبالأحرى في النسب ، والجار من المسلمين ، وكذلك في نفسك . فإذا الوصول بالمعروف والإحسان يقرّب إلى اللّه ، وكل قريب من اللّه رحمة فكل وصلة الرحم رحمة ، وتقول كل من وصل رحمه بالإحسان والخير هو قريب من اللّه ، وكل قريب من اللّه مرحوم ، فكل واصل رحمه مرحوم ، وهذا بالخبر الشرعي ، وما وعد اللّه في الأعمال الصالحة ؛ لأنه بما يجب على اللّه تعالى . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء » « 2 » . ثم تقول : إذا كان المعروف عامّا حتى يصل القريب ، وينتهي إلى البعد ؛ فهو حسن ، وإن كان جزئيّا فيبدأ بالأقرب ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » « 3 » . ولمّا كان الحق سبحانه رحيما ، ورحمته تتعدى إلى الغير ، ورحمته صفته ؛ كان العبد الرحيم المحسن الذي يتعدى خيره إلى غيره مرحوما ، للشبه الذي بينه وبين الحق من صفة الرحمة والإحسان ؛ ولذلك قال رضي اللّه عنه : ( والواصل رحمه مهما دعا اللّه رحمه ) . وأيضا المرحوم : هو المقرّب إلى اللّه وإلى جنته ، والقرب والبعد إلى اللّه ليس بالمكان والزمان ؛ وإنما البعد منه بالجهل به ، أو بالمخالفة ، والجهل به أصله عدم العلم ، وقلة الانقياد إلى العلماء ، وأصل عدم العلم ، وقلة الانقياد حب الدنيا ، والسعي في كسبها ، وله لواحق كثيرة ، والمخالفة أصلها طلب الشهوة العاجلة .
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ( 13 / 197 ) ، وذكره الأنصاري في خلاصة البدر المنير ( 2 / 141 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 431 ) ، ومسلم ( 2 / 635 ) . ( 3 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 1 / 246 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 1 / 66 ) .