إذا قطع الكلام انقطع ، وإذا تكلم به وجد .
فإذا لا وجود للوجود الممكن إلا باللّه ، واللّه هو حقيقة وجوده ، كما تقدم ، وكل عبد ادّعى فعلا لذاته ، أو استقلالا بذاته ، أو نسب وجوده فدعواه محال وباطل وزور ، فإذا كان وجوده للّه ، والعبد لا يغفل عن وجوده ، ولا يستريب فيه ، كذلك ينبغي ألا يغفل عن اللّه ، ولا يستريب فيه ، ولا يطلبه ، إذ هو أظهر من أن يطلب فكل من استراب فيه ، أو وجد غيره ، أو أنكر وجوده ، فهو بمنزلة من قال أن المحال واقع ، وأن الحقيقة مجاز .
ولذلك قال : تعالى على جهة التعجب :
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ
[ إبراهيم : 10 ] ، والبعد هو غلط في وهم الجاهل لا في حقيقته ، فالحقائق إنما هي بالذات للّه وعنده ، والآنيات من حيث هي مقرة للّه بالربوبية ، وذاكرة له ، وحاضرة عنده ، إذ لا يمكن الشيء أن ينكر وجوده كما تقدم ، ووجود كل شيء للّه ؛ فاللّه هو وجود كل شيء حقيقة ، ولا يمكن أن تنكر وجود اللّه آنية من الآنيات .
وهذا هو المفهوم من قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء :
44 ] ؛ أراد بذلك إقرار الآنيات بوجودها للّه الحق ، فاعلم ذلك .
وقوله رضي اللّه عنه : ( والواصل رحمه مهما دعا اللّه رحمه )
. الرحم : هو النسب من الآباء والأخوة والأعمام ، وأولادهم والأخوال ، وبنات الكل المذكورين ، وكذلك تطلع بالتركيب إلى الأقرب فالأقرب بالنسب حتى إلى أقصاهم ، وكذلك في الحيوان على أنحاء ما ذكر في الكتاب والسنة ، وكذلك أهل ملتك ودينك ومذهبك وطريقتك ، وهذا النوع من الرحم ألزم عند السعداء ، إذا النسب الأول اختلف معك في الدين ، فهو نسب عرضي ، ويجب عليك قطعه وهجره ؛ كما قال عز وجلّ في أقرب النسب :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ
[ لقمان : 15 ] الآية .
ومعنى المعروف الذي أمر أن يصاحب الابن فيه أباه : فهو المبرة الظاهرة الجارية في عادة الناس ، وقد تقدم إن حد المعروف هو ما جرت به العادة ، ولم تنه عنه شريعة ، ولا حكمة ، ومخالفتهما واجبة في طاعة اللّه ؛ فالرحم إذا هم الأهل المذكرون والجيران بشرط أن يكونوا داخلين معك في الدين ، والمذهب الشرعي ، وكذلك المسلمون ، فلو لم يكونوا أقارب ؛ فهم أولو أرحام بعضهم أولى ببعض .
فيجب على المؤمن أن يصل أقاربه بالزيارة ، ويعود مريضهم ، ويواسي فقيرهم ، ويسكّن ملهوفهم ، ويؤمّن خائفهم ، ويحارب عدوهم ، وبالجملة صلة الرحم إنما هي برفع