تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وجودها للواجب بالذات ، ورجوعها إليه صفة نفس ، واستحقاقه لها صفة نفس ، وصفات الأنفس لا تتبدل ، ولا يمكن أن تنقلب الحقائق ؛ فإذا اللّه هو وجود كل شيء موجود بالوجه الذي ذكرنا ، ولا يمكن غير ذلك ، ولا انفصال للموجودات عنه أصلا ، فالمطال إنما هو وهم في خبر العبد المحجوب ، والبعد كذلك ، والحق أخذ وجود من كل الجهات ، فلا مطال إذا من حيث الماهية والحقيقة والآنية الثابتة باللّه كما ذكرنا . فإذن الآنيات والحقائق القائمة بالموجودات مقرّة للّه بالربوبية والمحبة له من حيث رجوعها إليه بالذات ، كما ذكرنا ، وذاكرة له من صفات أنفسها ، وراجعة إليه لا يمكن غير ذلك فيها ، والمطال في خبر الجاهل خاصة لا في حقيقته ؛ فكأنه نبّه الغافل والجاهل ، فاستحقاق الحق له على أن يبصر وجوده باللّه ، ويلحظ حقيقته بحقه ؛ فيزول من وهمه خبر الغيرية والإضافة ؛ فيجد ذاته عند اللّه ، ويجد اللّه عنده ؛ فيكون مشاهدا له ، ومقيما بحضرته ، ومستأنسا به ، وناظرا إليه أبدا ؛ فتحصل بذلك سعادته ورفعته وعزته وكماله الذي لا يزاد فيه ولا ينقص منه ، فاعلم ذلك .

وقوله رضي اللّه عنه : ( ومحالك محال )

. يفسر ذلك ويسدده ، فإن المحال : هو القوة والقدرة على ما بلغني من بعض إخواننا بالمشرق ، وهو ممن يعرف اللغة ، وهو الذي يفهم من قوله تعالى :
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
[ الرعد : 13 ] ، وقول سيدنا رضي اللّه عنه في « الرسالة الرضوانية » ؛ واللّه له الحول والمحال والطول . ولمّا كان العبد حادثا ، وممكن الوجود ، ولم تكن له قدرة مؤثرة ، ولا قوة قاهرة ، إذ القوة والقدرة حقيقية هي للّه تعالى ، واستحق ذلك لكونه قديما واجب الوجود ؛ فإذا كل فعل واقع من العبد : أي في العبد ، فوجوده للّه حقيقة ، إذ هو القادر المؤثر في مقدوره ، فلا تأثير لقدرة العبد ، ولا فعل له حقيقة ؛ فإذا لا قدرة ، ولا قوة للعبد ؛ ولذلك قال : ( محالك محال ) ؛ معناه : قدرتك وقوتك وفعلك محال من حيثك ، فإذا الفعل القائم بك ، والتصريف الذي تتصرف ، والعمل الذي تعمل محال أن يكون لك ؛ بل هو للّه حقيقة ، وصادر منه ، وكذلك وجودك ، وهذا معنى قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 96 ] . وأيضا اللّه خلق العبد في أول ابتدائه ، وهو معه بالإيجاد والتجديد في كل وقت ، وليس هو بمنزلة البنّاء الذي يبني الدار ، ويتركها زمانين وأكثر ، وإنما بمنزلة متكلم من الكلام كما ذكر سيدنا رضي اللّه عنه في « الرسالة الفقيرية » ، وفي « البدّ » ، وغير ذلك ، فإن المتكلم
رسائل ابن سبعين — صفحة 148 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي