تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
بالسقم ، والعقل بالحمق ، وحلاوة النعم بأضدادها . فإذا استصحاب الحال في إمدادها وإيجادها على التمام والكمال ، فتكميل السمع والبصر والفؤاد ، وما أشبه ذلك نعم من اللّه تعالى ، وإحسان منه :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] ؛ فإذا من واجب حقه عقلا ، وما ثبت شرعا ألا تصرّف الجملة الإنسانية بما هي عليه من القوى الجسمانية والروحانية إلا في طاعة اللّه ، وفي عبادته وخدمته ، وفي ذكره وشكره وحمده ، والثناء عليه ، وألا يغفل عنه طرفة عين . فكل عبد لا يفعل ذلك ، ويصرف جارحة من جوارحه ، وقوة من قواه في غير طاعة اللّه ، أو في فترة من خدمة اللّه وشكره ، والسعي في مرضاته ، ولا يرجع إلى اللّه بجملته ، ويصرف ما هو منه إلى خدمته فهو مماطل ، أو ممسك بحق اللّه ، وإذا طال ذلك فهو ممكور ، إذ الحق قد ثبت فيما تقدم إنه لا يغفل عن إيجاد النعم طرفة عين فيجب على العاقل ألا يغفل عنه طرفة عين ، ومن غفل عنه ؛ فقد ترك الواجب ، ومن لم يؤد الواجب عليه فهو مماطل . وإن أطال ذلك فهو قد طول مطاله ، وأدى ذلك إلى بعده عن اللّه ، واستحق العقوبة ، ولا عقوبة أشد من البعد عن اللّه عز وجلّ ، فافهم ذلك ، وقد قال اللّه سبحانه :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 26 ] وإنما ذكر السمع والبصر والفؤاد ؛ لكونها أخص ما في الإنسان ويفهم بالاستقراء أنه يسأل عن كل جارحة ، وقد جاء ذلك في الشرع . وأيضا فقد صح إن اللّه سبحانه واهب وجود العبد ، إذ العبد الممكن لا وجود له إلا بالواجب ، فهو مفهوم لوجوده ، ومتمم له في كل زمان فرد ، فالحق أقرب لوجود العبد منه إلى ذاته ، فكل عبد لا يصرف وجوده للّه ، إذ اللّه هو حقيقة وجوده ، فقد منع أن يصرف ماهيته إلى حقيقتها ؛ فهو مماطل ، إذ كان من واجب حق اللّه أن يصرف وجود الوجود الممكن إليه ، إذ هو منه وبه وعنه وله ، وهو يستحقه من كل الجهات ، فإذا ادعى الممكن وجودا لذاته فقد ادّعى ما ليس له ، ونسب الشيء إلى غير أهله ، وماطل الحق في إعطاء حقه ، وأدى ذلك إلى نفي شيء عن شيء هو له ، وإثبات شيء لشيء ليس هو له ؛ وهذا هو الكذب والخيانة ، وفاعل ذلك يستحق العقوبة ، وأي عقوبة أكبر من الانقطاع عن اللّه تعالى ، والجهل به ، وفقد حضرته التي فيها النعيم الدائم ، والمشاهدة الكبرى ، والبقاء الأبدي ، فافهم ذلك . وأيضا الحق سبحانه يستحق وجود الموجودات بالذات ، والموجودات الممكنة يرجع