منفصل عن اللّه ، ولا محجوب .
واللّه هو المطلوب الأعظم ، وهو الخير الذي يراد لذاته ، فالتائب الصادق ظافر بمطلوبه وأصل إلى الخير المحض ، ونقول : العبد مضطر بوجوده وتوبته وجملته إلى اللّه ، فوجوده وتوبته وجملته هبة من اللّه ، ورحمه منه ، فالحق معه في وجوده وماهيته على ما هو عليه ، فوجوده وماهيته وما هو عليه مع اللّه لا يفارقه ، إذ لزومه له بالذات كما تقدم .
واللّه هو المطلوب ، وهو النعمة والرحمة والرضوان بالإلزام الذي ذكرنا ؛ فالتائب ظافر بالنعمة والرحمة والرضوان ، والظافر بذلك سعيد ومنعم وكامل ، فالتائب على هذا الوجه ظافر بمطلوبه ، وحاصل على مرغوبه ؛ وكأنه نبه المسترشد على الارتباط الذاتي اللازم بين الممكن والواجب ، فإذا فهم ذلك ؛ علم استحقاق الواجب للممكن ، وأخذه وجود الهويات المضطرة .
فإذا علم ذلك علم وصوله ، وإذا علم وصوله تعين محصوله ، وظفر بكماله ، وانقطعت آماله ، فكأن التوبة هنا بمعنى الفهم عن الرجوع الذي هو موجود في ذاته بالذات ، وفهم النصيب الإلهي القائم به ، وقطع الطلب والتشوف والسكون ، واللذة الذاتية الموجودة في جوهره بالذات ، فإذا كان ذلك كذلك امتنعت منه المعصية ، فإن المعصية تطلب لذة ، أو نيل لذة في غير محله ، وذلك لا يمكن إلا مع توهم فقدها من محله ، فإذا وجدها في جوهره ذاتية بالنصيب القائم به امتنع من طلبها ، فإن الحاصل لا يبتغى فيكون تائبا بمعنى محفوظا .
ومن هذا المقام يحفظ الأولياء ؛ لأن اللذة القائمة بالجوهر ، والأنس الحاصل فيه منع الطلب ، وغبط الولي بذاته ، وأظهر له فيها كل شيء ؛ فانقطعت منه الآمال ، ووجد عنده ما يظهر لغيره بعد وسم الأجل ، ومن هذا الموطن يكفر الولي إذا أوقع المعصية ؛ لأنه كفر بالنصيب الإلهي القائم بذاته ، وهذه التوبة مختصة بالصادقين ؛ لأن الصدق هو الذي يحذف المجاز ، ويقف عند الحقيقة .
ولمّا كانت التوبة تطلق باشتراك وبحسب الأحوال ؛ قيدها بقوله : ( توبة صادقة ) ؛ لأن الصدق هو الذي يرد الأشياء إلى واجبها ، ويقف عند الأمور الذاتية ، ويهمل العرضية .
والذاتي في محل كل تائب وفي ذات كل شيء هو الحق تعالى ، ولا يمكن في قوة ملازمته للأشياء ، واستحقاقه لها الرجوع إليه ؛ لأنه يستحق الراجع والرجوع والمرجوع إليه ، فافهم ذلك ، واعلم التوبة بهذا الوجه ، والرحمة كما ذكرتها لك ؛ تظهر بمرتبة الصادقين ، واللّه المستعان .
وقوله رضي اللّه عنه : ( واعلم أن مطالك مطال )
.