تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الشيء المطبوع الذي لا يمكن أن يكون الشيء إلا على تلك الصفة ، وهو الذي يوجب الرحمة بوجه محتوم لا يمكن أن يعقل المحل المشار إليه إلا كذلك . والضمان : هو الحصر الذي يوجب حكما ، وتعينه تعينا ذاتيّا لا يمكن الانفكاك عنه ، إذ الممكن لا وجود له ولا ذات إلا بالواجب ، ولا تعقل له آنية إلا ما يسري له من الواجب الوجود ، والواجب الوجود لا يفارق ما هو موجود به ، ولا يعقل له انفصال عن تقويمه وتشبهه وإقامته في هيئته التي هو عليها ، وهو معه بها على ما هي عليه ، إذا لو قدّر رفع الوجود الواجب من الموجودات الممكنة لارتفع وجودها ، ولم يوجد لها ذات ، وهو ارتفاع الفاعل إلى مفعوله بالذات ، والمفعول إلى فاعله بالذات ، فكأن اتصال خط الارتباط بينهما من الأمور الضرورية التي لا يمكن أن تكون على غير تلك الهيئة . فلمّا كان ذلك كذلك كان رجوع العبد إلى ربه وانصرافه بماهيته كلها إليه بالذات وقبول الحق على عبده ، وإعطاؤه ماهية الشيء هي نعمة منه ، ورحمة صادرة عنه ، كذلك بالذات ، فكانت الرحمة من الأمور المحتومة الموجودة في ذات اللّه لا يمكن غيرها ؛ ولذلك قال تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[ الأنعام : 54 ] بمعنى أنه لا يمكن في ذاته إلا هي . ولمّا كانت الكتب بين الناس تحكم بوجوب الشيء ولزومه ضرب لهم بذلك مثلا ليعلموا إن الرحمة في اللّه من الصفات اللازمة له التي لا يمكن في ذاته ضدها ، وقد قلنا فيما تقدم في هذا القسم : إن الرحمة إعطاء الشيء وجودا ليس له ، فوجود الموجودات الممكنة وذواتها رحمه من اللّه تعالى ، ونعمة منه ، إذ ليس لها ذلك حقيقة من حيث هي . ولمّا كان العبد راجعا بماهيته ووجوده ، وجملته إلى اللّه حتى رجوعه في التوبة ، فالتوبة والتائب حقيقة موجودة من اللّه وبه ومنه وعنه ؛ فكأن نفس الرجوع نفس القبول ، ونفس وجودهما نفس الرحمة والرضوان ، بل هي متقدمة من اللّه فوجودها قبولها فلا برزخ بينهما ولا بون ، ولا يعقل الفصل والوسائط هنا بالجملة ، وإن عقلت فيستحقها الوجود الواجب كما ذكرنا ؛ فلا بواب إذا ولا حاجب ، ولا يرجع إليه إلا به ، ولا نعمة منه إلا به وله . فالواحد لا يحجبه شيء عن ذاته ، ولا فصل بينه وبين نفسه ، ولذلك قال : ( بابه ما عليه بواب ) لقوة لزوم الارتباط بين الواجب والممكن ، فنقول : التوبة الواقعة في محل العبد خلق اللّه ولا وجود لها إلا به ، فالعبد يرجع إلى اللّه باللّه ، فلا بواب بينه وبينه ، ولا واسطة إلا صفته ، أعني : بذلك قدرته وإرادته ، وصفته غير زائدة على ذاته في قول بعض الصوفية ، فالحق هو التائب في وجود التوبة بذاته ، وما هو معه بذاته لا ينفصل عنه ، فالتائب غير