والعمل بوظائفها يزيل الحظوظ النفسانية ، ويميت الشهوات البدنية ، ويقطع الروابط العادية ، ويجرد الإنسانية ، ويكشف الحضرة الرحمانية : وهي حضرة الحق ، وحضرة الحق :
هي الحضرة الجامعة لحقائق الأكوان ، وهي بد كل شيء ووجوده ، وهي الماهية التي توجد فيها كل ماهية من حيث التقويم والتتميم ، قال : فيها نتيجة الشرائع .
ونقول : علم الشريعة مقدمة العمل بوظائفها ، والعمل بوظائفها مقدمة لرضوان اللّه يقيم العبد في حضرته ، فعلم الشريعة ، والعمل بها يقيم العبد في حضرته ، فحضرته هي نتيجة الشرائع ، وحضرته فيها كل شيء ، فهي الحقيقة الجامعة .
ونقول : الشريعة تحمل لرضوان اللّه ، ورضوانه صفته ، والصفة لا تفارق الموصوف ، والموصوف : هو اللّه ، فالشريعة تحمل إلى اللّه ؛ فاللّه هو نتيجة الشرائع بالوجه الذي ذكرنا .
ونقول : الأعمال الشرعية إذا عمل بها على التمام تفيد التخلق بالأسماء الحسنى ، والمتخلق بالأسماء إذا تجوهر بها تكون الأسماء ذاته وروحه ، والأسماء صفات اللّه ، وصفاته غير زائدة على ذاته ، فالمتخلق بالأسماء ليس بزائد على ذات اللّه ، فالظفر بالحق والاتصال به هو نتيجة الشرائع .
ونقول : أول وظيفة من وظائف الشريعة هي كلمة لا اله إلا اللّه ، وتتضمن أن لا فاعل إلا اللّه ، فكل موجود في الكون اللّه أوجده من حيث هو فاعله ، والفاعل لا يفارق مفعوله ، وهو معه بالإيجاد والإبقاء ، ولا وجود للشيء إلا به ، فهو الأصل الضروري في وجود كل شيء ، ولكل شيء حقيقة ، وهو وجوده الذي هو به ما هو ، ووجود كل شيء ، الذي هو به ما هو هو ، به ومنه وعنه وإليه ، هو حقيقة كل شيء وماهيته ووجوده ؛ فاللّه : هو الحقيقة الجامعة ، كما تقدم من قول سيدنا رضي اللّه عنه .
فإذا كان هو حقيقة كل شيء ، فالأشياء كلها هي به على ما هي عليه ، فهو الحقيقة الموجودة في كل حقيقة ، وهو الذات المستحقة بذاتها لكل ذات ، فهو مع كل شيء بوجوده ، فلا غيبة ولا حجاب ، والغيبة والحجاب هو الجهل بهذا الاتصال والاستحقاق الذي ذكرناه ، والغفلة عن ملاحظته وشهوده في كل شيء ، بل شهوده ولا شيء معه .
وعلم الشريعة يزيل الجهل المذكور ، ووظائفها ترفع الغفلة ، وتنبه على الحضور مع الحاضر في كل حضور ، فالحق هو نتيجة الشرائع ، وعلوم الشريعة بهذا الوجه هي علوم التحقيق ، فاعلم ذلك .
فإذا حقيقة لا اله إلا اللّه : أن لا موجود إلا هو ، وما خلا اللّه باطل ، والوهم يشعر بغيره ، والوظائف الشرعية تذكر باللّه ، وذكره يزيل الوهم ، ويمحو خبر الغيرية ، ويقيم العبد
رسائل ابن سبعين — صفحة 141
مساهمون: ابن سبعين
ص١٤١