تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
والعلم الرياضي الذي يقال له المتوسط ينقسم إلى أربعة أقسام : منها علم العدد ، وعلم الهندسة ، وعلم التنجيم ، وعلم تأليف اللحون ، وإنما سميت هذه رياضيات لأنها تروض الإنسان بالأشياء المتوسطة بين الجسم ، وما ليس بجسم ، فتنقله من الجسم ، ومن الأمور المحسوسة إلى ما ليس بجسم ، ولا يدرك بحس ، بل بالعقل وحده . والعلم الأعلى الذي يقال له الإلهي ينقسم قسمين : أحدهما : العلم بوحدانيته تعالى ، والثاني : العلم بالأشياء التي يوصف بها اللّه تعالى ، كالقدرة والحكمة والقوة ، وغير ذلك من الصفات التي تليق باللّه عز وجلّ ؛ فهذا هو جزء الفلسفة العلمي . وأمّا جزؤها العملي فينقسم ثلاثة أقسام : أحدها : سياسة الذات . والثاني : سياسة المنزل . والثالث : سياسة المدينة . فسياسة الذات تنقسم ثلاثة أقسام وهي : إصلاح القوة الشهوانية ، وخضوعها للغضبية ، والثاني : تعديل الغضبية ، وخضوعها للقوة التمييزية ، والثالث : حفظ التمييزية وتحريكها بالآداب على الترتيب الذي ينبغي . فهذه أساس الفلسفة العلمية والعملية ، وبمعرفتها وبمعرفة أنواعها وأشخاصها تدخل في زمرة الحكماء . ونقول : العلوم التي تدخل بها في زمرة الحكماء هي الذوات المفارقة التي توجب بورودها على المحل رفضا للذات الطبيعية ، والشهوات الجسمانية ، وتظهر للنفس الناطقة ذهاب المحسوسات ، وعدم ثبوتها ، وخاصة عالم الكون ، وسرعة فساده ، وتكرّه ذلك للنفس ، وتشوقها إلى عالمها المفارق ، وتنبهها على الذات الروحانية وشرفها ، وعدم فسادها ، فتنقل جوهر الإنسان من عالم الكون بالصنائع العلمية والعملية ، وتقيمه في حضرة الذوات المبدعات ، وتجوزه من ظلمات الزمان والمكان . ونقول : العلوم التي تدخل بها في زمرة الحكماء هي الملاحظة الصادقة التي توقع في محل العبد المتوجه تصفح أحوال الكون المقول على الذوات المفارقة وغير المفارقة ، وتطلعه على تماثله باحتياجه إلى الحق الأول ، وعدم استقلاله في ذاته ، وتبطل الروابط المتوهمة بين الذوات المتماثلة ، فتحض المتوجه على حذف الإضافة المتساوية ، وتصرف وجهه إلى الذي فطر السماوات والأرض ، وتقيمه في حقيقة الإنسان المرادف مع الاستخارة الواقعة بين يدي الكلمة المطلقة ، وتزيل الشرك الجلي المعروف عند الخواص لا