وكذلك هو أحد لا مثل له ؛ فالمتماثلات قواطع عنه ، وكذلك هو واحد ليس بعدد ، فالأعداد قواطع عنه ، وهو واحد لا إضافة فيه ، ولا يقبل الزيادة ، وتقدس عن النقصان ، فكل من يقبل الزيادة ، وفيه النقصان ، ويعقل في الإضافة ؛ فهو قاطع عنه .
فإذا العقول والذوات المجردة التي يعتمد عليها الحكيم ، ويقول : إنها كماله وسعادته في الوصول إليها ، وكذلك الأرواح المفارقة ، والأسماء المضافة التي يشير إليها الصوفي ، وكذلك المراتب التي يعتقدها بعض المحققين قواطع عن اللّه ، إذ العقول تقبل الزيادة ، وكذلك الأرواح والأسماء التي تعطى الإضافة ، والمراتب التي تشعر بالغيرية ، وهي غير معلومة في ذات اللّه تعالى ، وهو منزّه عنها ، وكل ما سوى اللّه حجاب وقاطع عنه .
فعليك بالحق المعرّى عن ذلك كله ، الواحد من صفة نفسه ، الذي لا ينسب ، ولا يكتسب ففيه كمالك ، وعنده سعادتك ، وبه رفعتك ، وهو نعمتك ، وله وبه ومنه وعنه جملتك ، فاقصد خرابك ، واهجر سرابك ، تسمع جوابك ، والسلام عليك إن فعلت .
وقوله رضي اللّه عنه : ( بعد ما تتصف بالعلوم الضرورية التي لا يحملها أحد في عرف الشريعة ) .
البعد : هو تأخر قضية عن قضية في وجد الشخص الواجد لهما ، أو في علمه وفعله كما تقول : وجدت المزدلفة بعد منى في الصعود إلى عرفة ، ووجدت عرفة بعد المزدلفة كذلك ، هذا بالنظر إلى المكان ، وتقول : وجدت الجمعة بعد الخميس ، بالنظر إلى الزمان ، وتقول : وجدت العلم بعد النظر إلى السبب والمسبب .
ولمّا كان الإيمان والواجبات الشرعية متقدمة في الوجود على الانقطاع إلى اللّه ، والخلاص من القواطع ، وجاء اللفظ قدامها لضرورة الفصاحة عطف عليها ، وأمر أن تقدم بالفعل ، لأجل تقديم الشرط على المشروط ، فقال : بعد ما تتصف بالعلوم الضرورية ، وهو جائز في لسان العرب ، وقد وجدنا في القرآن مقدما باللفظ ما هو متأخر بالوجود كقوله تعالى :
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
[ الأعلى : 6 ] ؛ والنبات يكون أخضر قبل أن يكون يابسا ، والأحوى هو الأخضر ، والغثاء هو اليابس ، فضرورة الفصاحة قدمت المتأخر على المتقدم .
فنرجع للضروري فنقول : الضروري هو اللازم للشيء الذي لا يمكن أن يوجد إلا به وهو له بالذات ، مثل التنفس للحيوان ، والضروري : هو الذي يتوصل به إلى غاية ما ، ولا تنال إلا به ، وهو لها شرطي ذاتي . مثل قراءة لسان العرب للكاتب ، أو الحركة في الأمور