تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ذات الحكمة ، والمؤمن لا تصريف له ، ولا ذات إلا بالنبي ؛ فالمؤمن ذات الحكمة ، والحكمة مقدمة الخير بوجه ، وهي ذاته بوجه ؛ فالمؤمن ذات الحكمة ، وذات الخير ، وهو معنى قوله تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] ، فاعلم ذلك ، واكتف به .

وقوله رضي اللّه عنه : ( وتصل حبل المعروف ، وجميع ما استحسنه العقل ، وحرره النقل ، وحضت عليه الشرائع ) .

الحبل : هو الشيء الرابط للأشياء المفترقة ، والحافظ لها ، والناظم بعضها إلى بعض والذي يصل المنفصلات بعضها ببعض ، مثل الإسلام الذي يجمع الأسباب المفترقة ، ويردها سببا واحدا بالدين ، ويؤلف المتضادات ، ويرفع العداوة ، ويوقع الألفة ، ويجمع الذوات المفترقة كلها بقانونه ، كما قال تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[ آل عمران : 103 ] . والمعروف : هو ما جرت به العادة ، ولم تنه عنه شريعة ولا حكمة ، والعقل : هو الذي يحكم بوجوب الواجبات ، وجواز الجائزات ، واستحالة المستحيلات ، والحسن : هو الذي يمدح به فاعله ، والنقل : هو حمل القضايا من شخص إلى شخص ، أو حمل الحديث من شخص إلى شخص ، والنقل المراد هنا : هو ما بلغنا من سنّة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما نتلوه في كتاب اللّه . والتحرير : هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والظهور ، أو نقول : التحرير : هو رفع الإشكال من الشيء ، وحفظه مما يلتبس به . والشرائع : هي الطرق الموضوعة من اللّه عز وجلّ على ألسنة رسله صلوات اللّه عليهم أجمعين ؛ وكأنه قال : تصل مقولك وفعلك ، وجملة معاملاتك الظاهرة والباطنة التي تختص منها بالخلق فيما بينك وبينه ، والذي يختص منها بك ، والتي بينك وبين اللّه ورسوله بالمعروف الذي تقدم حدّه ، وتعامل كل جهة من هذه الجهات المذكورة بما يحمده الشرع ، ويحض عليه ، ويمتحنه العقل ، ويمدح به فاعله ، وتقرره العادة الجميلة والسيرة الجليلة ، وينفع للطباع المعتدلة ، ويفيد النفوس أملها في العاجلة والآجل . ومعنى ذلك أن تعامل الخلق بالإنصاف والعدل ، وحمل الأذى ، وترك الأذى ، ووجود الراحة ، وتعامل الحق تعالى بالافتقار والعبادة والتنزيه والمحبة ، وتعامل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتبعية وما ذكرناه قبل ، وتعامل الرتب كلها بما يجب لها ، وهذا هو حبل المعروف الذي جرت به العادة ، ولم تنه عنه شريعة ولا حكمة ، وسمّي حبلا لامتداده مع أمل المتصف به ؛
رسائل ابن سبعين — صفحة 132 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي