تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
هي زائلة ، فاعلم ذلك .

وقوله رضي اللّه عنه : ( وتتخلص من كل قاطع يقطعك عن اللّه تعالى )

. التخلص : هو التحرير من الإشابة ، كما تقول : هذا لبن خالص : أي عريّ عن الإشابة ، والكل : هو حرف الحصر والجمع ، والقاطع : هو الحائل والحاجز عن الشيء ، أو الفاصل له . واللّه : هو الخير الذي يراد لذاته ، ولا يراد لغيره ، وهو الجليل المعتبر الذي لا يتردد الذهن في ثبوته ، ويعجز عن تصوره ، أو هو المطلوب المعتبر ، أو هو محبوب السعداء ، أو كمال المحقق ، أو غبطة العقل أو معشوقه . فكأنه قال : سعادتك ورفعتك وكمالك وعزتك ونعيمك الدائم في وصولك إلى اللّه وقربك منه ؛ فتخلص من كل شيء يقطعك عنه ؛ فتقطع عن كمالك وسعادتك فتبقى في النقص الخالد والشقاوة الأبدية ، والقواطع عن اللّه قد عدّها سيدنا رضي اللّه عنه في بعض « الألواح » ، وفي « خطاب اللّه بلسان نوره » فقال : هي الأجسام ولواحقها ، وقواها المتوسطة ، والطبيعية ، والنفس الحيوانية : صراط لا يقطعه إلا السعداء ، والنباتية ، والمنجرّة المتطولة ، والكسل ، والخوف ، وفساد التوجه ، وعدم المرشد ، وقلة المساعد ، جميع ذلك من أجزاء العلل والقواطع ، وكذلك المذاهب الفاسدة ، والطرق المبعدة ، وما أشبه ذلك ، والكلام في هذه ، وكيف تقطع ، وبماذا ، وما يخص كل واحد من هذه من الفساد ، وأين رتبته من القطع والحجاب ؛ يطول ذكره ههنا . فنقول القرب من اللّه لا يكون إلا بالنسبة والشبه ، والبعد منه بضد ذلك ، فإذا العلم يقرب من اللّه ، إذ هو صفاته وموجود في ذاته ، والجهل يبعد منه ، إذ ليس هو موجود في ذاته ، ولا نسبة بينه وبينه . وكذلك الرحمة صفته ، والإحسان والعفو والكرم والجود ، وما أشبه ذلك ، فكل كريم جواد رحيم عفوّ محسن قريب من اللّه من حيث الشبه أو النسبة كما ذكرنا ، وكل بخيل مناع جاهل منتقم بعيد من اللّه ، إذ لا نسبة بينه وبينه ، وفي الأحاديث ما يقوي هذا ، والشرائع متواطئة على أن الرحيم مرحوم ، والمحسن مجازى بإحسانه ، وأن مكارم الأخلاق صفات السعداء . والصوفية مجمعون على أن القرب من اللّه ، والتخلق بأسمائه هو المنهاج الجليل ، والحق ليس بجسم ، فالأجسام وصفاتها قاطعة عنه ، وكذلك الحق صمد ، فلا يتقرب إليه بالمجوّف ولا بصفاته ، وكذلك الحق واحد ليس بمركب ولا في مركب ، فالمركبات قواطع عنه ،
رسائل ابن سبعين — صفحة 134 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي