مثال ذلك : إذا محوت عقلك بمعنى أنك لا تبصر به ، ولا تعمل برأيه ، تأخذ من الشريعة بما تبصر وتعمل ، وبمثل هذا تقيس على جميع القوى ، فإذا لم تعتقد إلا بالشرع ، ولا تعلم إلا به ، ولا تتحرك إلا به ؛ فقد استولى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على جملتك ، فإن ماهيتك آنية مجموعة من علم وعمل لا غير .
فإذا لم تعلم إلا بالشارع ، ولم تعمل إلا به ؛ فقد استولى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على جملتك ، وذهبت عنك ، وثبت به ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : هو الخير المحض كما تقدم ، وهو ذاتك كما لزم في ذهابك ووجوده ، فذاتك الخير المحض إذا حكمته عليك كما ذكرنا ، فنقول : من خرج عن نفسه للشرع كان في ذاته معدوما ، وبالنبي موجودا ، ومن كان موجودا بالنبي ؛ كان باللّه ، ومن كان باللّه ؛ كان كاملا ، ومن كان كاملا ؛ كان سعيدا ناجحا ، وفي رضوان اللّه سابحا ، فاعلم ذلك ، واعمل به .
ومعنى هذا يفهم من قول اللّه تبارك وتعالى :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[ الأحزاب : 6 ] ، ومن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ونفسه » « 1 » ؛ فهذه حقيقة الاقتداء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وفي ذلك قال بعض المشايخ : من صحب شيخا ، ولم يملكه نفسه ؛ قيل لتلك الصحبة : صحبة تبرّك ، ومن ملكه نفسه ؛ قيل له : مريد ومقتد .
فنقول فيما قلناه : النبي نور اللّه ، والمؤمن لا ينظر إلا بالنبي فالمؤمن ينظر بنور اللّه .
ونقول : النبي حبيب اللّه ومحبوبه ، والمؤمن لا ذات له إلا بالنبي ، فالمؤمن حبيب اللّه ومحبوبه ، ويفهم هذا من قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] .
ونقول : النبي هو ذات التصريف الموزون ، والتصريف الموزون عين الحكمة ؛ فالنبي
هامش
عالم من علمائها يقوم في قومه مقام ذلك النبي في أمته وينحو منحاه في زمانه ، ولهذا ورد :
« علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » .
وورد : « إن العالم في قومه كالنبي في أمته » .
ومن خواصه أن سماه اللّه عبد اللّه ولم يطلقها على أحد سواه وإنما قال :إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً[ الإسراء : 3 ] ،نِعْمَ الْعَبْدُ[ ص : 30 ] .
ومن خواصه : أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من اللّه على غيره ، فهي خصيصة اختصه اللّه بها دون سائر الأنبياء ، انتهى .
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 67 ) ، أبو يعلى في مسنده ( 7 / 8 ) .