تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
هامش
ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ[ المدثر : 1 ] . وناداه بالرمز بقوله جلّ من قائل :طه[ طه : 1 ] . وقال الحرالي : النبوة الخاصة به صلّى اللّه عليه وسلّم هي نبوة الرفعة المشتقة من نبوة الأرض ، وهو ما ارتفع منها ، فلرفعته في وجوه الرفعة كلها عروجا وتدليا رفعة إحاطة لا رفعة اختصاص كان صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّ النبوة التي هي علوّ ، وعلت نبوته عن أن تكون خبرا من النباء ؛ لاستغنائه بالعلم عن الخبر ، ولذلك واللّه أعلم لما قيل له : يا نبيء اللّه ( بالهمزة ) قال : « لست بنبيء اللّه ، أنا نبيّ اللّه » ، فبين اختصاصه بنبوة العلو والرفعة ، وتنزهه عن نبوءة النباء والإخبار ، الذي هو حظّ من لا علم له بما نبئ به . فلما علمه اللّه ما لم يكن يعلم كان صلّى اللّه عليه وسلّم نبيّ علوّ ، لما انتهى إليه علمه إلى الغاية الجامعة المحيطة فكان العالم بالحق الأعلم باللّه ، كانت نبوة تماما ، فكان النبيّ المكمل بما يشير إليه الدوم كلمة ( ال ) . فإذا أطلق اسم النبيّ اختصّ به هو صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلا قيل : نبيّ بني إسرائيل ، ونبيّ بني فلان . فهو النبيّ المحيط النبوة ، الذي كلّ النبوة من نبوته ، السابق في النبوة ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم النبيّ بما أوحى إليه ربه ما أوحى بلا واسطة ملق ولا مبلغ ، المنتهي في النبوة إلى جمع علو السمع ، والعين المنتهية إلى الوجد العليّ الذي هو به نور كله ، قلبه وقبره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه ، حتى كان صلّى اللّه عليه وسلّم طاهر الدم طاهر جميع الفضلات بما هو نور كله ، فهو النبيّ مطلقا في ذاته نور ، وفي بيانه إنارة . قال السبكي : أرسل للخلق كافة من لدن آدم ، والأنبياء قبله بعثوا بشرائع معينات ، فهو نبي الأنبياء ، وأرسل إلى الجن بالإجماع وإلى الملائكة في أحد القولين ، رجحه السبكي . زاد المازري : وإلى الجمادات والحيوانات والحجر والشجر ، وبعث رحمة للعالمين حتى الكفار بتأخير العذاب عنهم ، ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة ، وبأن اللّه أقسم بحياته وأقسم على رسالته ، وتولى الرد على أعدائه ، وخاطبه بلطف ما خاطب به الأنبياء ، وقرن اسمه باسمه في كتابه ، وفرض على العالم طاعته والتأسي به فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء ، ووصفه في كتابه عضوا عضوا ، ولم يخاطبه في القرآن باسمه ، بل : يا أيها النبي ، يا أيها الرسول ، وحرم على الأمة نداءه باسمه . وكره الشافعي أن نقول في حقه : ( الرسول ) بل ( رسول اللّه ) لأنه ليس فيه من التعظيم ما في الإضافة ، وفرض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم نسخ ذلك ، ولم يره في أمته شيئا يسوؤه حتى قبضه بخلاف سائر الأنبياء ، وبأنه حبيب الرحمن ، وجمع له بين المحبة والخلة ، وبين الكلام والرؤية ، وكلمه عند سدرة المنتهى ، وكلم موسى على الجبل ، قاله ابن عبد السلام . وجمع بين القبلتين والهجرتين ، وجمع له بين الحكم بالظاهر والباطن معا ، ونصر بالرعب مسيرة شهر أمامه وشهر خلفه ، وأوتي جوامع الكلم ، وأوتي مفاتيح خزائن الأرض على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس ، وكلّم بجميع أصناف الوحي ، عد هذه ابن عبد السلام . وهبط عليه إسرافيل ولم يهبط على نبيّ قبله ، عد هذه ابن سبع ، وجمع له بين النبوة والسلطان ،